♕ قصة .. الاسْتِقَالَةُ & الفصل الأول ♕ بقلم الكاتب : مصطفى الحاج حسين
**((الاسْتِقَالَةُ))..
قِصَّةٌ: مُصْطَفَى الحَاجِّ حُسَيْنِ..
حِينَ قَدَّمْتُ اسْتِقَالَتِي مِنَ المَخْبَزِ، اتَّهَمَنِي الجَمِيعُ بِالغَبَاءِ، وَأَنَا لَسْتُ بِالغَبِيِّ، بَلْ بِالشَّرِيفِ، الَّذِي رَفَضَ المُشَارَكَةَ فِي السَّرِقَةِ.
مُعْظَمُ النَّاسِ يَعْتَبِرُونَ سَرِقَةَ أَمْوَالِ الدَّوْلَةِ لَيْسَتْ بِالحَرَامِ، وَلَا بِالفِعْلِ الشَّائِنِ، مِثْلَ أَبِي مَثَلًا، أَوْ أَصْدِقَائِي، أَوْ خَطِيبَتِي وَأَهْلِهَا، وَلَهُمْ تَبْرِيرَاتٌ لَا تُحْصَى.
وَأَنَا لَمْ أَسْرِقْ بِدَافِعِ التَّدَيُّنِ، بَلْ بِدَافِعِ أَنَّنِي أَكْتُبُ الشِّعْرَ.
قُلْتُ لِمُدِيرِ فَرْعِ المَخَابِزِ:
- أَنَا شَاعِرٌ.. وَالشَّاعِرُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَرَامِيًّا، لِأَنَّهُ سَوْفَ لَا يَسْتَطِيعُ كِتَابَةَ الشِّعْرِ!
تَرَكْتُ أَمَانَةَ المُسْتَوْدَعِ، وَعُدْتُ أَعْمَلُ مَعَ أَبِي فِي البِنَاءِ، وَكَمْ كَانَ الشُّغْلُ صَعْبًا عَلَيَّ، بَعْدَ أَنْ تَعَوَّدَ جَسَدِي عَلَى الرَّاحَةِ وَالنَّظَافَةِ.
وَبَعْدَ أَنْ تَعَوَّدْتُ عَلَى إِعْطَاءِ الأَوَامِرِ لِلْعُمَّالِ وَالعَامِلَاتِ، فَأَنَا رَئِيسُهُمْ وَالمَسْؤُولُ عَنْهُمْ، وَكَانَ مِنْ وَاجِبِهِمْ أَنْ يُطِيعُونِي وَيُنَفِّذُوا أَوَامِرِي.
وَهَا أَنَا اليَوْمَ، أَعُودُ لِلْمِهْنَةِ الَّتِي أَكْرَهُهَا وَلَا أُطِيقُهَا مُنْذُ صِغَرِي، عُدْتُ لِلثِّيَابِ القَدِيمَةِ وَالمُهْتَرِئَةِ وَالوَسِخَةِ، الَّتِي أَخْجَلُ مِنْ لِبْسِهَا، إِلَى جَانِبِ التَّعَبِ الشَّدِيدِ وَالمُضْنِي وَالشَّاقِّ، تَحْتَ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ اللَّاهِبَةِ، وَفِي الشِّتَاءِ تَحْتَ قَطَرَاتِ المَطَرِ وَالبَرْدِ القَارِسِ وَالجَلِيدِ، أَحْمِلُ الأَحْجَارَ الثَّقِيلَةَ وَأَسْطَالَ الإِسْمَنْتِ الَّتِي تَقْطَعُ الأَصَابِعَ، وَأَصْعَدُ الدَّرَجَ وَالسَّلَالِمَ، وَأَقِفُ عَلَى السَّقَّالَةِ العَالِيَةِ وَالمُخِيفَةِ، وَالَّتِي يَهْزَأُ مِنِّي وَالِدِي أَمَامَ العُمَّالِ كُلَّمَا شَاهَدَنِي خَائِفًا، أَنْتَصِبُ فَوْقَ السَّقَّالَةِ لِأُعَمِّرَ وَأَتَنَاوَلَ الأَحْجَارَ وَالأَسْطَالَ وَزَنَابِيلَ الجَحْفِ.
كُلُّ هَذَا وَبِأَجْرٍ بَخْسٍ قَلِيلٍ لَا يَكْفِينِي خَرْجِيَّةً، لِأَنَّ وَالِدِي عَادَ كَمَا فِي السَّابِقِ قَبْلَ أَنْ أَذْهَبَ لِلْعَسْكَرِيَّةِ، عَادَ لِيُعْطِيَنِي نِصْفَ أُجْرَةٍ، وَالنِّصْفُ الآخَرُ يَقْتَطِعُهُ عَلَيَّ بِحُجَّةِ مُسَاعَدَتِي لَهُ وَمُشَارَكَتِهِ مَصْرُوفَ البَيْتِ، فَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ عَائِلَةٍ كَبِيرَةٍ: نَحْنُ أَوْلَادُهُ الذُّكُورُ سِتَّةٌ، وَكَذَلِكَ شَقِيقَاتِي السِّتُّ، وَأُمِّي وَهُوَ، وَجَدَّتِي الَّتِي تُقِيمُ عِنْدَ عَمِّي، وَلَكِنَّ أَبِي كَانَ يَمْنَحُهَا خَرْجِيَّةً شَهْرِيَّةً.
العَمَلُ مَعَ وَالِدِي صَعْبٌ وَشَاقٌّ وَمُتْعِبٌ، فَهُوَ لَا يَرْحَمُ نَفْسَهُ، وَلَا يَرْحَمُ عُمَّالَهُ، وَلَا يَرْحَمُنِي أَنَا أَيْضًا. يُرِيدُ أَنْ يَلْتَهِمَ الشُّغْلَ دُفْعَةً وَاحِدَةً، لَا يُرِيدُ أَنْ تَضِيعَ دَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ دُونَ إِنْتَاجٍ وَمُتَابَعَةٍ وَاسْتِمْرَارٍ وَمُوَاصَلَةٍ وَبَذْلِ أَقْصَى مَا عِنْدَنَا مِنْ جُهْدٍ.
كُنْتُ أُحِسُّ وَأَشْعُرُ أَنَّ وَالِدِي يَتَقَصَّدُ أَنْ يُرْهِقَنِي وَيُتْعِبَنِي فِي العَمَلِ مَعَهُ فِي العِمَارَةِ، عُقُوبَةً لِي عَلَى تَرْكِي لِوَظِيفَتِي فِي المَخْبَزِ، يُرِيدُنِي أَنْ أَنْدَمَ عَلَى حَمَاقَتِي فِي تَقْدِيمِ الاسْتِقَالَةِ. فَبَعْدَ أَنْ كُنْتُ أُسْتَاذًا وَالجَمِيعُ يَطْمَعُ فِي مُرَاضَاتِي، قَالَ لِي:
- هَلْ تُرِيدُ أَنْ تُصْلِحَ الدُّنْيَا؟.. الجَمِيعُ يَسْرِقُ وَيَرْتَشِي وَيُزَوِّرُ، وَمَنْ لَا يَفْعَلُ هَذَا يَكُونُ عَاجِزًا، وَلَا مَجَالَ لَهُ.. فَهُوَ لَيْسَ بِالشَّرِيفِ، بَلْ لَمْ تُتَحْ لَهُ الفُرْصَةُ.
وَيُتَابِعُ:
- مُدِيرُكَ مَسْنُودٌ، وَقَالَ لَكَ: لَا تَخَفْ. لَكِنَّكَ جَبَانٌ وَمُغَفَّلٌ.
كُنْتُ خِلَالَ العَمَلِ، إِنْ تَمَكَّنَ مِنِّي التَّعَبُ الشَّدِيدُ، أَتَظَاهَرُ أَمَامَ أَبِي وَعُمَّالِهِ بِأَنَّنِي أُرِيدُ قَضَاءَ حَاجَةٍ، فَأَهْرَعُ إِلَى قَبْوِ العِمَارَةِ المَلِيءِ بِالقَذَارَةِ، لِأَنَّ جَمِيعَ العَامِلِينَ يَلْجَؤُونَ إِلَى هَذَا المَكَانِ البَعِيدِ عَنِ الأَنْظَارِ وَيَقْضُونَ حَاجَتَهُمْ، لِذَلِكَ كَانَتِ الرَّوَائِحُ كَرِيهَةً وَلَا تُطَاقُ.
أَنْزِلُ إِلَى هَذَا المَكَانِ، أَجْلِسُ عَلَى الدَّرَجِ مُخْتَبِئًا هُنَاكَ لِبَعْضِ الوَقْتِ، لِأَنَالَ قِسْطًا مِنَ الرَّاحَةِ وَالهُدُوءِ. أُشْعِلُ سِيجَارَةً وَأَنَا أَسُدُّ أَنْفِي، وَآخُذُ أَبْكِي وَأَنْدُبُ حَظِّي، وَأَسْأَلُ دَمْعِي بِحُرْقَةٍ:
- مَاذَا فَعَلْتُ بِنَفْسِي؟!.. كُنْتُ فِعْلًا صَاحِبَ مَرْكَزٍ أُحْسَدُ عَلَيْهِ، عِزٌّ وَمَجْدٌ وَكِبْرِيَاءٌ وَكَرَامَةٌ وَمَهَابَةٌ وَسَطْوَةٌ، أَمْشِي فِي صَالَةِ المَخْبَزِ وَكَأَنِّي طَاوُوسٌ أَتَمَخْتَرُ بَيْنَ العُمَّالِ وَالعَامِلَاتِ، وَعُيُونُهُمْ تُرَاقِبُنِي وَلَا تُفَارِقُنِي.
هَذَا يَسْأَلُنِي سُؤَالًا، وَيَدْعُونِي لِكَأسِ شَايٍ، وَتِلْكَ تُقَدِّمُ لِي فَطِيرَةً، وَأَنَا أُعْطِيهِمْ مُلَاحَظَاتِي وَتَوْجِيهَاتِي.
حِينَ أَصْعَدُ مِنَ القَبْوِ وَأَعُودُ لِمُتَابَعَةِ العَمَلِ، كَانَ أَبِي يَسْتَقْبِلُنِي غَاضِبًا، وَيَقُولُ:
- أَيْنَ كُنْتَ؟.. وَلِمَاذَا تَأَخَّرْتَ؟.. كُلُّ هَذَا الوَقْتِ وَأَنْتَ فِي القَبْوِ؟!.. هَلْ مَعَكَ إِسْهَالٌ مُزْمِنٌ؟.. مَنْ يَكُونُ مَعَهُ إِسْهَالٌ، يَقْضِي حَاجَتَهُ بِسُرْعَةٍ.
وَكَانَ عَلَيَّ أَنْ أَتَحَرَّرَ مِنْ أَبِي.. يَجِبُ أَنْ أَجِدَ عَمَلًا عِنْدَ غَيْرِهِ، أَوْ أَتْرُكَ مِهْنَةَ البِنَاءِ الَّتِي لَا تُنَاسِبُنِي.
فِي المَخْبَزِ كُنْتُ مَسْؤُولًا عَنْ أَبِي، لَقَدْ وَظَّفْتُهُ طَوَالَ فَصْلِ الشِّتَاءِ، حِينَ كَانَ العَمَلُ فِي البِنَاءِ مُتَوَقِّفًا، تَعَامَلْتُ مَعَهُ بِطَرِيقَةٍ رَائِعَةٍ، عَيَّنْتُهُ بَائِعَ خُبْزٍ فِي كُشْكِ كُلِّيَّةِ العُلُومِ، خَطِّ سَيْفِ الدَّوْلَةِ، يَذْهَبُ عَلَى كَيْفِهِ وَيَنْصَرِفُ وَقْتَ يَشَاءُ، وَحِينَ أَرْفَعُ اسْمَهُ فِي جَدْوَلِ الرَّوَاتِبِ، لَا يَكُونُ رَاتِبُهُ مَنْقُوصًا، مَهْمَا بَلَغَ عَدَدُ أَيَّامِ غِيَابِهِ.
وَكُنْتُ أَدْعَمُهُ فِي السَّاعَاتِ الإِضَافِيَّةِ الَّتِي لَا يُدَاوِمُهَا، وَطَبِيعَةِ العَمَلِ وَالحَوَافِزِ.. كُلُّ هَذَا فَعَلْتُهُ لِأَجْلِهِ، لَكِنَّهُ هُوَ لَا يَتَهَاوَنُ مَعِي فِي العَمَلِ، وَلَا يُقَدِّرُ ظَرْفِي، وَلَا يُرَاعِي أَنَّ جَسَدِي لَمْ يَتَأَقْلَمْ بَعْدُ مَعَ هَذِهِ المِهْنَةِ اللَّعِينَةِ.
كَانَ يَسْخَرُ مِنِّي، هُوَ وَعُمَّالُهُ الجَهَلَةُ، كُلَّمَا غَسَلْتُ يَدَيَّ مِنَ الغُبَارِ فِي بَرَامِيلِ المَاءِ، وَخَاصَّةً عِنْدَمَا أَغْسِلُ كَأْسَ الشَّايِ مِنَ الحَنَفِيَّةِ، وَلَيْسَ فِي بَرَامِيلِ المَاءِ الوَسِخَةِ كَمَا هُمْ يَفْعَلُونَ.. حَتَّى أَصُبَّ شَايًا، أَثْنَاءَ جُلُوسِنَا تَحْتَ حَائِطٍ فِي الظِّلِّ، لِنَشْرَبَ الشَّايَ وَنَأْكُلَ بِضْعَ لُقَيْمَاتٍ مِنَ الزَّوَّادَةِ الَّتِي نُحْضِرُهَا مَعَنَا مِنْ بُيُوتِنَا.
كَانَ أَبِي أَيْضًا يَتَضَايَقُ مِنِّي وَيَنْتَقِدُنِي، لِأَنَّنِي أَذْهَبُ إِلَى الشُّغْلِ وَأَنَا مُرْتَدٍ ثِيَابًا نَظِيفَةً وَحِذَاءً مُلَمَّعًا أَسْتَخْدِمُهُمْ فِي الطَّرِيقِ، وَأَنَا ذَاهِبٌ وَبَعْدَ الانْصِرَافِ، فَيَقُولُ لِي:
- هَلْ أَنْتَ تَخْجَلُ مِنْ ثِيَابِ العَمَلِ؟.. إِنَّهَا ثِيَابُ العِزِّ وَالكَرَامَةِ وَالشَّرَفِ.
أَرُدُّ عَلَيْهِ وَأَنَا مَقْهُورٌ:
- نَعَمْ، إِنَّهَا كَذَلِكَ.. وَلَكِنْ فِي مَكَانِ الشُّغْلِ فَقَطْ، مِنَ العَيْبِ أَنْ نَصْعَدَ البَاصَاتِ وَنَحْنُ نَرْتَدِيهَا وَنُلَوِّثَ الرُّكَّابَ بِسَبَبِ شِدَّةِ الزِّحَامِ.
يَحْتَجُّ عَلَيَّ فِي كُلِّ الأُمُورِ.. لِمَاذَا آخُذُ مَعِي صَابُونَةً وَبَشْكِيرًا، وَبَدَلَ أَنْ أَضَعَ عَلَى رَأْسِي الجُمْدَانَةَ مِثْلَ الجَمِيعِ لِلْحِمَايَةِ مِنَ الغُبَارِ وَشَمْسِ الصَّيْفِ وَمَطَرِ وَبَرْدِ الشِّتَاءِ، فَأَنَا أَضَعُ بَدَلًا عَنْهَا قُبَّعَةً يَسْتَخْدِمُهَا أَهْلُ الغَرْبِ الكُفَّارُ.
عُدْتُ وَلَدًا صَغِيرًا فِي نَظَرِ أَبِي، عَادَ يُعَامِلُنِي كَمَا فِي السَّابِقِ قَبْلَ أَنْ أَذْهَبَ لِلْخِدْمَةِ العَسْكَرِيَّةِ.. وَنَسِيَ أَنَّنِي تَجَاوَزْتُ الخَامِسَةَ وَالعِشْرِينَ، وَأَنَّنِي كُنْتُ مَسْؤُولًا عَنْ مَخْبَزٍ كَامِلٍ يَبْلُغُ عَدَدُ عُمَّالِهِ أَكْثَرَ مِنْ مِئَةٍ، رِجَالًا وَنِسَاءً، وَكُنْتُ أَتَحَكَّمُ بِالجَمِيعِ، بِمَا فِيهِمْ أَصْحَابُ الشَّهَادَاتِ العِلْمِيَّةِ، أَنَا الَّذِي كُنْتُ لَا أَحْمِلُ الوَثِيقَةَ الابْتِدَائِيَّةَ، وَكُلُّ هَذَا بِفَضْلِ المُدِيرِ الأَوَّلِ، أَبِي إِبْرَاهِيمَ، فَهُوَ جَارُنَا، وَابْنُ خَالَةِ صَدِيقِي وَلِيدٍ، وَوَالِدُهُ صَدِيقٌ لِأَبِي، وَأُمُّهُ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُمِّي، حَتَّى إِنَّ شَقِيقَاتِهِ كُنَّ صُحْبَةً مَعَ أَخَوَاتِي.
وَظَّفَنِي فِي المَخْبَزِ، وَكَلَّفَنِي بِأَنْ أَسْتَلِمَ أَمَانَةَ مُسْتَوْدَعِ الإِنْتَاجِ.. فَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيَّ كَمُثَقَّفٍ يَكْتُبُ الشِّعْرَ، لِذَلِكَ كَانَ يُنَادِينِي بِالشَّاعِرِ القَرَوِيِّ.. وَصَارَ يَعْتَمِدُ عَلَيَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ، صِرْتُ سَاعِدَهُ الأَيْمَنَ، وَأَنَا نَذَرْتُ نَفْسِي لِأَكُونَ مُخْلِصًا لَهُ، أَعْمَلُ كُلَّ مَا يَطْلُبُهُ مِنِّي دُونَ تَرَدُّدٍ أَوْ مُنَاقَشَةٍ، وَلِهَذَا تَخَصَّصْتُ لِدَوَامِ اللَّيْلِ، هُوَ المُدِيرُ النَّهَارِيُّ، وَأَنَا المُدِيرُ اللَّيْلِيُّ.. وَفِي كُلِّ صَبَاحٍ أُقَدِّمُ لَهُ تَقْرِيرًا مَكْتُوبًا عَنْ سَيْرِ العَمَلِ خِلَالَ فَتْرَةِ اللَّيْلِ، فَيُصْبِحُ عَلَى اطِّلَاعٍ عَلَى كُلِّ تَفَاصِيلِ مَا حَدَثَ أَثْنَاءَ الدَّوَامِ اللَّيْلِيِّ.. مَنْ تَغَيَّبَ، مَنْ نَامَ، مَنْ تَقَاعَسَ، مَنْ يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ، المُكَافَأَةَ، أَوِ الفَصْلَ وَالطَّرْدَ.
مِثْلُ هَؤُلَاءِ العُمَّالِ الجَهَلَةِ وَالمُقْرِفِينَ، لَوْ كَانُوا عِنْدِي فِي المَخْبَزِ يَوْمَ كُنْتُ فِيهِ قَبْلَ أَنْ أَتْرُكَهُ وَأُقَدِّمَ اسْتِقَالَتِي، كُنْتُ سَحَقْتُهُمْ وَدُسْتُهُمْ بِحِذَائِي، وَصَرَخْتُ فِي وُجُوهِهِمْ وَشَتَمْتُهُمْ وَعَاقَبْتُهُمْ وَقَطَعْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ رَوَاتِبِهِمْ وَحَرَمْتُهُمُ العَمَلَ الإِضَافِيَّ وَطَبِيعَةَ العَمَلِ وَالحَوَافِزَ.. وَيُمْكِنُ لِي أَنْ أَطْرُدَهُمْ أَوْ أَنْقُلَهُمْ إِلَى مَخْبَزٍ آخَرَ. فَأَنَا هُنَاكَ ذُو سُلْطَةٍ مُطْلَقَةٍ، وَالمُدِيرُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ دَائِمًا إِلَى جَانِبِي.. يَقِفُ مَعِي وَيُسَانِدُنِي.
لَكِنَّ أَبِي هُنَا يَمْنَعُنِي وَلَا يَسْمَحُ لِي، بَلْ يُفَضِّلُهُمْ عَلَيَّ، أَنَا ابْنُهُ، لِأَنَّهُمْ وُحُوشُ شُغْلٍ، بَيْنَمَا أَنَا ذُو جِسْمٍ هَزِيلٍ وَطَرِيٍّ وَنَاعِمٍ. مِمَّا جَعَلَهُمْ يَتَمَادَوْنَ مَعِي أَوْ أَمَامِي، يُطْلِقُونَ عَلَيَّ اسْمَ الآنِسَةِ.
أَنَا لَسْتُ ظَالِمًا، لَكِنَّنِي شَدِيدُ الحِسَابِ عَلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ المُعَامَلَةَ الطَّيِّبَةَ.. كُلُّ مَنْ يَظُنُّ نَفْسَهُ مَدْعُومًا أَوْ مَسْنُودًا بِوَاسِطَةٍ، أَكُونُ لَهُ بِالمِرْصَادِ.. مَنْ يَسْتَهْتِرُ بِالمَصْلَحَةِ العَامَّةِ وَمَصْلَحَةِ الشَّعْبِ، وَيَظُنُّ نَفْسَهُ مُنْتَسِبًا لِحِزْبِ البَعْثِ، أَحُطُّهُ تَحْتَ المِجْهَرِ، أُتَابِعُهُ لِأُحَاسِبَهُ.. وَأَصْرُخُ بِوَجْهِهِ:
- أَنَا أُرِيدُ مِنَ الرَّفِيقِ البَعْثِيِّ أَنْ يَكُونَ قُدْوَةً حَسَنَةً أَمَامَ العُمَّالِ الآخَرِينَ.. عِنْدِي هُنَا مَطْلُوبٌ مِنَ البَعْثِيِّ أَضْعَافُ مَا هُوَ مَطْلُوبٌ مِنَ العَامِلِ غَيْرِ المُنْتَسِبِ لِلْحِزْبِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِنَظَرِي جَاهِلٌ وَبَسِيطٌ وَغَيْرُ مُثَقَّفٍ، وَلَا يَعْرِفُ مَا هِيَ مَصْلَحَةُ الوَطَنِ.
وَأَنَا لَسْتُ بَعْثِيًّا، وَلَا أُؤْمِنُ بِهَذَا الحِزْبِ الدِّكْتَاتُورِيِّ مُطْلَقًا.
وَحَدَثَ مَا كُنْتُ أَتَجَنَّبُهُ طَوَالَ هَذِهِ الأَشْهُرِ، لَقَدْ وَقَعَ الخِلَافُ وَالتَّصَادُمُ مَعَ أَبِي، وَلِلْأَسَفِ الشَّدِيدِ كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا سَيَحْدُثُ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا، مَهْمَا احْتَمَلْتُ وَصَبَرْتُ وَتَمَاسَكْتُ، لِأَنَّهُ لَا بَدِيلَ عِنْدِي، فَأَنَا هَجَرْتُ مِهْنَةَ البِنَاءِ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ سِتِّ سَنَوَاتٍ، وَلَا مَعَارِفَ عِنْدِي لِأَشْتَغِلَ مَعَهُمْ.. ثُمَّ إِنَّنِي مُنْذُ الأَسَاسِ أَعْمَلُ مَعَ أَبِي، لِذَلِكَ لَا أَعْرِفُ غَيْرَهُ. وَأَنَا بِحَاجَةٍ لِلنُّقُودِ، مَصْرُوفٍ شَخْصِيٍّ، وَثَمَنِ دُخَانٍ، وَجَرَائِدَ وَمَجَلَّاتٍ، وَأَحْيَانًا كُتُبٍ وَدَوَاوِينَ شِعْرِيَّةٍ.. ثُمَّ عَلَيَّ أَنْ أُسَدِّدَ أَقْسَاطًا لِلْبَنْكِ، كُلَّ شَهْرٍ مَبْلَغَ (250) ل.س، فَقَدِ اسْتَدَنْتُ مِنْهُ لِأَشْتَرِيَ الذَّهَبَ لِخَطِيبَتِي.
ذَاكَ اليَوْمَ، أَرَادَ أَبِي أَنْ يُنْهِيَ بِنَاءَ الطَّابِقِ الثَّالِثِ فِي العِمَارَةِ، الَّتِي سَتَكُونُ مُؤَلَّفَةً مِنْ خَمْسَةِ طَوَابِقَ، حَتَّى يَنْصِبَ عُمَّالُ البَاطُونِ الخَشَبَ وَيَقُومُوا بِصَبِّ السَّقْفِ، وَكَانَ مِنَ الوَاضِحِ أَنَّنَا لَنْ نَسْتَطِيعَ إِنْهَاءَ البِنَاءِ كَامِلًا فِي هَذَا اليَوْمِ، فَقَدْ كَانَ يَحْتَاجُ لِنِصْفِ يَوْمٍ آخَرَ.. وَأَبِي لَا يُرِيدُ التَّكْمِلَةَ غَدًا، فَهُوَ عَلَى عَجَلَةٍ، وَمُتَعَهِّدُ البَاطُونِ أَيْضًا يُرِيدُ الاسْتِعْجَالَ، وَصَاحِبُ العِمَارَةِ يَكُونُ مَمْنُونًا، الجَمِيعُ لَهُمْ مَصْلَحَةٌ فِي إِنْهَاءِ بِنَاءِ الطَّابِقِ الثَّالِثِ اليَوْمَ، لِكَيْ نَبْدَأَ فِي بِنَاءِ الطَّابِقِ الرَّابِعِ.
مُنْذُ الصَّبَاحِ أَخْبَرَ أَبِي العُمَّالَ:
- اليَوْمَ يَجِبُ أَنْ نُنْهِيَ بِنَاءَ هَذَا الطَّابِقِ، فَعَلَيْنَا أَنْ نَشُدَّ هِمَّتَنَا، وَنَعْمَلَ بِجِدٍّ وَعَزِيمَةٍ، وَسَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ فِيكُمْ أُجْرَةَ يَوْمٍ وَنِصْفٍ، فَعَجِّلُوا لِتَنْصَرِفُوا بَاكِرًا.
وَبِدُونِ وَعْيٍ مِنِّي قُلْتُ:
- أَنَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَشْتَغِلَ إِضَافِيًّا.
رَمَقَنِي بِغَضَبٍ، وَصَاحَ:
- لِمَاذَا لَا تَسْتَطِيعُ؟.. سِعْرُكَ بِسِعْرِ الجَمِيعِ.. لَسْتَ أَفْضَلَ مِنَ الآخَرِينَ.
قُلْتُ بِاضْطِرَابٍ:
- أَنَا اليَوْمَ سَأَذْهَبُ إِلَى اتِّحَادِ الكُتَّابِ العَرَبِ، اليَوْمَ أَرْبِعَاءُ وَهُنَاكَ أُمْسِيَةٌ شِعْرِيَّةٌ لِشَاعِرٍ مُهِمٍّ سَيَأْتِي مِنْ دِمَشْقَ.
تَنَاثَرَتْ ضَحِكَاتُ العُمَّالِ السَّاخِرَةُ.. وَوَخَزَتْ قَلْبِي.. وَتَزَايَدَ غَضَبُ أَبِي، صَرَخَ:
- الشِّعْرُ لَيْسَ أَهَمَّ مِنْ شُغْلِنَا.. اِذْهَبْ غَدًا؟
تَعَالَى صَوْتِي وَانْفِعَالِي:
- لَا يَجُوزُ، لَا يَجُوزُ.. هَلْ يُؤَجِّلُوا الأُمْسِيَةَ مِنْ أَجْلِي؟!
وَبِصَوْتٍ حَازِمٍ، خَاطَبَ أَبِي الجَمِيعَ:
- لَا تُضَيِّعُوا الوَقْتَ.. اِبْدَؤُوا شُغْلَكُمْ.
تَحَرَّكَ العُمَّالُ، وَعَلَى شِفَاهِهِمُ المُشَقَّقَةِ ابْتِسَامَاتٌ مَمْطُوطَةٌ.
بَيْنَمَا أَنَا كُنْتُ أُرَدِّدُ:
- سَأَشْتَغِلُ.. وَعِنْدَ الثَّالِثَةِ سَأَنْصَرِفُ.
لَمْ أَقْتَرِبْ مِنْ أَبِي فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، كُنْتُ أَتَحَاشَى التَّكَلُّمَ مَعَهُ أَوِ الاقْتِرَابَ مِنْهُ.. لَكِنْ صَادَفَ أَنْ أَعْطَانِي الحَجَّارُ حَجَرًا كَبِيرًا وَثَقِيلًا، وَطَلَبَ مِنِّي أَنْ أَحْمِلَهُ وَأَصْعَدَ دَرَجَ الطَّوَابِقِ الثَّلَاثَةِ، وَأُنَاوِلَهُ إِلَى أَبِي الَّذِي يَنْتَظِرُهُ فَوْقَ سَقَّالَتِهِ العَالِيَةِ.
صَعِدْتُ، وَبِصُعُوبَةٍ بَالِغَةٍ، وَأَنَا أَلْهَثُ وَأَرَشَحُ عَرَقًا وَأَتَأَوَّهُ، تَسَلَّقْتُ السُّلَّمَ الخَشَبِيَّ، وَعَيْنَا أَبِي المُحْمَرَّتَانِ تَنْظُرَانِ إِلَيَّ مِنْ فَوْقِ سَقَّالَتِهِ.. وَحِينَ رَفَعَ الحَجَرَ عَنْ كَتِفِي الأَيْمَنِ، دَنَا مِنِّي، وَقَالَ بِصَوْتٍ يُشْبِهُ الهَمْسَ الخَشِنَ:
- يَا ابْنَ الكَلْبِ.. أَنْتَ تُحَرِّضُ العُمَّالَ عَلَى عِصْيَانِي.
أَرَدْتُ أَنْ أُجِيبَ.. لَكِنَّهُ وَبِسُرْعَةٍ، طَلَبَ مِنِّي أَنْ أَخْرَسَ.
خَرَسْتُ.. وَنَزَلْتُ.
كُنْتُ طَوَالَ النَّهَارِ أُفَكِّرُ وَأَتَسَاءَلُ، وَأَنَا فِي حَيْرَةٍ مِنْ أَمْرِي:
- هَلْ أَنْصَاعُ لِأَمْرِ أَبِي؟.. أَمْ أَتْرُكُ العَمَلَ مِنْ عِنْدِهِ؟
الاسْتِمْرَارُ مَعَهُ فِي الشُّغْلِ لَهُ ضَرِيبَةٌ كَبِيرَةٌ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا.. فَبَعْدَ أَنْ كُنْتُ فِي المَخْبَزِ مَسْؤُولًا ذَا مَكَانَةٍ وَهَيْبَةٍ وَقِيمَةٍ وَاعْتِبَارٍ، تَحَوَّلْتُ عِنْدَ أَبِي إِلَى صَبِيٍّ مُهَانٍ لَا قِيمَةَ لَهُ وَلَا شَخْصِيَّةَ، مَذْلُولًا وَمَحْكُومًا.. فَوْقَ العَمَلِ المُضْنِي وَالشَّاقِّ وَاللَّاإِنْسَانِيِّ، مِثْلِي مِثْلُ الحَيَوَانِ أَوِ العَبْدِ الخَصِيِّ.
اسْتَنْتَجْتُ أَنَّ وَالِدِي كَانَ يَغَارُ مِنِّي حِينَ كُنْتُ فِي المَخْبَزِ.. خَاصَّةً بَعْدَ أَنْ وَظَّفْتُهُ وَصِرْتُ مَسْؤُولًا عَنْهُ.
خَالَفْتُ القَوَانِينَ مِنْ أَجْلِهِ.. خُنْتُ المَسْؤُولِيَّةَ وَالأَمَانَةَ.. غَضَضْتُ النَّظَرَ عَنِ اسْتِهْتَارِهِ وَعَدَمِ انْضِبَاطِهِ وَالْتِزَامِهِ بِالدَّوَامِ.. وَمَنَحْتُهُ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ إِجَازَاتٍ وَأُجْرَةِ العَمَلِ الإِضَافِيِّ الَّذِي لَا يُدَاوِمُهُ، وَمَنَحْتُهُ طَبِيعَةَ العَمَلِ وَالحَوَافِزَ الَّتِي هُنَاكَ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا أَكْثَرَ مِنْهُ وَلَا يَنَالُهَا.
لَكِنِّي إِنْ تَرَكْتُ العَمَلَ مِنْ عِنْدِهِ سَوْفَ أُصْبِحُ وَأَبْقَى بِلَا خَرْجِيَّةٍ.. وَسَأَكُونُ عَالَةً عَلَى سُفْرَتِهِ. فَأَنَا لَا أَعْرِفُ أَحَدًا غَيْرَهُ لِأَعْمَلَ مَعَهُ.
هَلْ أَنْدَمُ عَلَى تَقْدِيمِ اسْتِقَالَتِي؟.. لَا، لَنْ أَنْدَمَ.. حَتَّى وَإِنْ مُتُّ، لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَكُونَ حَرَامِيًّا.
سَأَذْهَبُ إِلَى الأُمْسِيَةِ الشِّعْرِيَّةِ مَهْمَا كَانَ.. فَأَنَا مُتَّفِقٌ مَعَ أَصْدِقَائِي، زَكَرِيَّا وَعَلِيٍّ وَإِبْرَاهِيمَ، عَلَى أَنْ نَلْتَقِيَ هُنَاكَ فِي اتِّحَادِ الكُتَّابِ العَرَبِ.. لِأَنَّنَا جَمِيعَنَا نُحِبُّ هَذَا الشَّاعِرَ المُبْدِعَ القَادِمَ مِنْ دِمَشْقَ.
خَطِيبَتِي رَغْدَاءُ انْصَدَمَتْ عِنْدَمَا قَدَّمْتُ اسْتِقَالَتِي.. وَالآنَ حِينَ يَصِلُهَا الخَبَرُ بِأَنَّنِي تَرَكْتُ الشُّغْلَ مِنْ عِنْدِ أَبِي.. مَاذَا سَيَكُونُ مَوْقِفُهَا؟.. كَيْفَ سَتَتَلَقَّى النَّبَأَ؟.. وَمَاذَا سَتَقُولُ؟
مُؤَكَّدٌ أَنَّهَا سَتَحْزَنُ وَتَقْلَقُ وَتُصَابُ بِالإِحْبَاطِ.
ذَلِكَ اليَوْمَ، لَمْ يَشْرَبِ العُمَّالُ وَوَالِدِي الشَّايَ، وَتَنَاوَلُوا طَعَامَهُمْ وَهُمْ يَشْتَغِلُونَ، لَمْ يَجْلِسُوا لِيَسْتَرِيحُوا فِي الظِّلِّ.. كَانُوا يَعْمَلُونَ بِدَأَبٍ وَحَيَوِيَّةٍ.. لِذَلِكَ أَنَا هَرَعْتُ إِلَى القَبْوِ ذِي الرَّوَائِحِ القَاتِلَةِ.
مُدِيرُ المَخْبَزِ لَمْ يُحَاسَبْ، وَأَنَا وَصَلْتُ إِلَى هُنَا.. الحَرَامِيُّ يُكَرَّمُ، وَالشَّرِيفُ يُذَلُّ!.. تَبًّا لِهَذَا الظُّلْمِ وَلِهَذَا النِّظَامِ الفَاسِدِ.
حَانَ الوَقْتُ، صَارَتِ السَّاعَةُ الثَّالِثَةَ، اسْتَجْمَعْتُ قُوَّتِي.. ذَهَبْتُ إِلَى الحَنَفِيَّةِ وَغَسَلْتُ، وَقَبْلَ أَنْ أُبَدِّلَ ثِيَابِي المُتَّسِخَةَ وَأَرْتَدِيَ ثِيَابِي النَّظِيفَةَ.. اقْتَرَبْتُ مِنْ سَقَّالَةِ أَبِي، وَقُلْتُ:
- أَنَا ذَاهِبٌ.
قَالَ أَبِي وَكُلُّهُ غَضَبٌ:
- انْقَلِعْ.. وَلَكِنْ وَاللهِ لَأَدْفَعَنَّكَ الثَّمَنَ.. كَمَا تَدْفَعُهُ مِنْ يَوْمِ قَدَّمْتَ اسْتِقَالَتَكَ.
قُلْتُ وَأَنَا أَمْشِي:
- وَأَنَا مُسْتَعِدٌّ.
نَادَانِي المِعْمَارُ، الشَّيْخُ أَحْمَدُ، ذُو اللِّحْيَةِ الَّتِي تَتَخَلَّلُهَا فَرَاغَاتٌ، فَهِيَ لَيْسَتْ كَثِيفَةً، مُتَدَاخِلَةُ الأَلْوَانِ، شُعَيْرَاتٌ سَوْدَاءُ وَبَيْضَاءُ وَرَمَادِيَّةٌ:
- يَا مُصْطَفَى.. يَا ابْنَ أَخِي.
تَوَقَّفْتُ وَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، وَهُوَ فَوْقَ سَقَّالَتِهِ:
- مَتَى مَوْعِدُ الأُمْسِيَةِ؟
أَجَبْتُ:
- فِي تَمَامِ السَّادِسَةِ.
رَدَّ:
- تَمَامٌ.. نَحْنُ هُنَا نُخَلِّصُ فِي السَّادِسَةِ أَوْ أَقَلَّ.. وَتَذْهَبُ أَنْتَ مِنْ هُنَا مُبَاشَرَةً إِلَى مَوْعِدِكَ.
قُلْتُ:
- لَا يَمْشِي الحَالُ.. عَلَيَّ أَنْ أَذْهَبَ مِنْ هُنَا، حَلَبِ الجَدِيدَةِ، إِلَى بَيْتِنَا فِي صَلَاحِ الدِّينِ.. سَأَتَنَاوَلُ الطَّعَامَ، وَأَحْلِقُ ذَقْنِي، وَأَسْتَحِمُّ، وَأَلْبَسُ ثِيَابًا نَظِيفَةً وَمُنَاسِبَةً، غَيْرَ هَذِهِ.. وَأُسَشْوِرُ شَعْرِي، وَأَلْبَسُ حِذَاءً يَلْمَعُ، ثُمَّ أَنْطَلِقُ إِلَى شَارِعِ بَارُونٍ.. وَأَخْشَى أَنْ أَصِلَ مُتَأَخِّرًا، اليَوْمَ سَيَكُونُ ازْدِحَامًا، لِأَنَّ الشَّاعِرَ كَبِيرٌ وَهَامٌّ.
صَاحَ أَبِي، مُخَاطِبًا الشَّيْخَ:
- اتْرُكْهُ يَنْقَلِعْ، عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ، وَكَأَنَّهُ عَرِيسٌ.
بِالكَادِ اسْتَطَعْتُ أَنْ أَصِلَ إِلَى اتِّحَادِ الكُتَّابِ العَرَبِ فِي تَمَامِ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ، كَانَتِ الصَّالَةُ تَغُصُّ بِالحُضُورِ، إِنَاثًا وَذُكُورًا، شَبَابًا وَكُهُولًا.. وَكَانَ عَلَيَّ أَنْ أَبْحَثَ عَنْ أَصْدِقَائِي، وَبَعْدَ أَنْ فَتَّشَتْ عَيْنَايَ عَنْهُمْ، وَجَدْتُهُمْ فِي الصَّفِّ الرَّابِعِ يَجْلِسُونَ، تَوَجَّهْتُ نَحْوَهُمْ بِصُعُوبَةٍ بَالِغَةٍ حَتَّى وَصَلْتُهُمْ، تَرَاصُّوا لِأَتَمَكَّنَ مِنَ الجُلُوسِ جَانِبَ زَكَرِيَّا.
الجَوُّ حَارٌّ رَغْمَ المَرَاوِحِ، وَجَمِيعُ الحَاضِرِينَ يَتَصَبَّبُونَ عَرَقًا، وَإِدَارَةُ الاتِّحَادِ فِي المَكْتَبِ يَنْتَظِرُونَ الشَّاعِرَ الضَّيْفَ، وَالشَّاعِرُ لَمْ يَصِلْ بَعْدُ.. وَكُلُّ الأَعْنَاقِ تَتَلَفَّتُ نَحْوَ بَابِ الدُّخُولِ.
مَرَّتِ الدَّقَائِقُ وَطَالَ الانْتِظَارُ، وَبَدَأَ الجُمْهُورُ بِالتَّمَلْمُلِ وَالضِّيقِ وَالإِزْعَاجِ.
إِلَى أَنْ أَطَلَّ عَلَيْنَا الدُّكْتُورُ عُمَرُ، رَئِيسُ فَرْعِ الاتِّحَادِ، يَعْتَذِرُ مِنَّا عَنْ عَدَمِ مَجِيءِ الشَّاعِرِ المُوَقَّرِ دُونَ مَعْرِفَةِ الأَسْبَابِ، وَقَالَ:
- عَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا، إِنْ شَاءَ اللهُ.
قَالَ هَذَا وَكَانَ وَاضِحًا عَلَيْهِ الانْزِعَاجُ.
صِحْتُ بِلَا شُعُورٍ مِنِّي:
- هَذَا اسْتِخْفَافٌ بِالجُمْهُورِ.. إِنَّهُ لَا يَحْتَرِمُ وُعُودَهُ.
وَجَاءَ صَوْتٌ أُنْثَوِيٌّ مِنَ الخَلْفِ:
- هَذِهِ هِيَ عَادَتُهُ، لَقَدْ فَعَلَ هَذَا فِي السَّنَةِ المَاضِيَةِ مَعَ المَرْكَزِ الثَّقَافِيِّ.
وَبَدَأَ الحُضُورُ الخَائِبُ بِالخُرُوجِ وَالنُّزُولِ، وَالشَّتَائِمُ تَنْهَالُ عَلَى الشَّاعِرِ الكَبِيرِ.
خَرَجْتُ إِلَى شَارِعِ بَارُونٍ وَحْدِي، أَتَصَبَّبُ عَرَقًا بِثِيَابِي النَّظِيفَةِ وَحِذَائِي اللَّامِعِ. تَذَكَّرْتُ القَبْوَ ذَا الرَّوَائِحِ القَاتِلَةِ، وَتَذَكَّرْتُ صَالَةَ المَخْبَزِ، وَعَرَفْتُ أَنَّنِي فِي كُلِّ مَكَانٍ سَأَدْفَعُ ثَمَنَ أَنَّنِي لَسْتُ حَرَامِيًّا.*
مصطفى الحاج حسين.
حلب
انتهى الفصل الأول، من رواية: ((مسبع الكارات))

تعليقات
إرسال تعليق