«غرفة من سبعة جدران»
طاهر عرابي
دريسدن – 08.11.2026
لم تكن هذه غرفتي في بيتي، ولا في مكتبٍ للدراسات الأخلاقية، ولا حتى في مشفى لانتظار عملية تجميلية من مخلفات الماضي.
ومع ذلك، دُعيت إليها بلا سبب أعرفه، ولا مناسبة.
قادني إليها شخص منكوب بفقدان الطبيعة البشرية، مأزوم بمتلازمة «البقاء الخطأ». هذا ما صرّح به، فسمعت ثم صمتّ.
صديق قديم تركته منذ عشر سنوات. تركته يجمع الآلام ليبدأ مشواره، هكذا وعدني دون أن أسأله. نهيته عن السوداوية، فسألني إن كنت أعلم ما هي.
تركته وسافرت، ولم أكتب له، وهو لم يكتب. تركته شجرة تنمو في حقلها، واخترت أنا حقلًا آخر، ليس لأنني أفضل منه، بل لأن القدر وجّه طريقي إلى حقل يمكنني أن أنمو فيه أكثر.
هربًا من إرثٍ يقيّدني، لا أرى فيه منفذًا. فكيف أزحف خارجه، وفي جسدي مئات المفاصل تنزلق نحو الخلف؟
سمع بوجودي في المدينة فجاءني، لا ليشكو مما قاله يومها عن السوداوية، بل ليقنعني بمتلازمة «البقاء الخطأ». كان خطأ أنني سافرت، وكان خطأ أنني لم أكتب له، وكان خطأ أنه جاء إليّ.
لا أعلم إن كنت بقيت كما كنت، أو بقي هو كما كان. وهل يكفي أننا كنا صديقين؟
لم ينظر إلى وجهي، كأن الاشتياق لم يكن يشغله. أمسك يدي وقال:
«الفرق بيننا أنني موجود في عالم شكّلته بعد غيابك، وعالمك مجهول بالنسبة إليّ، ولا يهمني أن أعرفه؛ فلست كشّاف العوالم. لا تكن مغرورًا لكونك ركبت طائرة وعشت في مدن تعج بالحضارة.
أما تلك السوداوية التي انهمكت أنت في وصفها، وتظاهرت بالقلق منها، فقد أثمرت. وأعيش الآن في غرفة من سبعة جدران. فلا تكن أفضل من حقيقتي».
توقف عند باب مفتوح، وقال:
«ادخل وسترى. لا أحد في الداخل، ولا يأتي إليه أحد غيري. سترى فراغًا يحيط به سبعة جدران، ولا نافذة. هذا كل شيء».
ثم أضاف، وهو يفسح لي الطريق:
«تأمّل وحاور ما تراه، ينطق لك. ولا تحاول تغيير ما غيّرته بنفسي».
دخلت.
وقفت مذهولًا أمام أول جدار تكشّف لي، وكأنه يدرك متى وكيف يسقط. قلت كأنني متيقن:
«سينهار».
نظرت إلى وجهه دون أن أحرّك لساني. لم أكن مندهشًا منه ولا محتقرًا له، لكنني احتفظت سرًّا بكلمات عن الفقد عجز عن قولها، واكتفى بحركة ممسوسة في محاجر عينيه.
أردت أن أشير إليه بأنني فهمت. وخشيت أن أكذب. لم أفهم شيئًا، وهل يجب عليّ أن أفهم؟
بالغت في البلاهة وقلت:
«ماذا تسمي هذا الجدار الأول يا صديقي؟ لماذا لا تعلّق عليه لوحة فنية، حتى ولو كانت رخيصة؟ ربما تمنح الوهم لونًا آخر».
رد بعنف:
«وما الفائدة؟ لو علم الفنانون أن لوحاتهم تستر الوهم لما رسموها».
ثم أضاف:
«أتدري ما الوهم يا صديقي؟ في غيابك نمت له قدمان، وصار يتبعني».
قلت:
«اسمح لي، لا أرى شيئًا مخالفًا للاشيء. هل يُعقل أنني لا أدقق في الرؤية؟»
أطرق صديقي مليًّا، كأن كلماتي البلهاء كانت حجرًا أُلقي في بئر راكدة فبلغ قاعها، ثم التفت إليّ ببطء، وفي عينيه لمعة غريبة تشبه الانتصار الحزين:
«أهذا كل ما تستطيع قوله يا صديقي؟ مجرد لوحة رخيصة تخدع بها عينيك؟ أنت تبحث عن الجمال في مأساة لم تصنعها بيديك.
كنت أنت نفسك تقف في الرمادية، تنتظر خيارًا آخر غير حزن يتذبذب أو بهجة تمر كبريق لا يدوم في الذاكرة. فهل وجدته في مدنك البعيدة؟
أنا أثمرت. قد لا يعجبك ما أثمرته، لكنني لم أكن غبيًا. وكل فطنتي لا تنفعني حين أشعر بالوحدة، مهما تعددت الجدران.
تعال، أمامنا ستة جدران أخرى، وهناك ستعرف أن الألوان لا تليق بالمقابر».
سحبني من كفّي نحو الجدار الثاني. كان مختلفًا؛ لم يكن إسمنتًا ولا طوبًا، بل بدا كشاشة عتيقة تتآكل أطرافها، تتناثر عليها صور باهتة لأيامنا القديمة، قبل أن يبدأ الفراق عدَّ سنواته العشر.
قلت بصوت أخفض هذه المرة، كأنني أخشى إيقاظ حطام الذاكرة. وراحت تتكشف صور نسيت لماذا التقطناها، وكيف أصبح بقاء الوجوه فيها تحفة.
«وهذه الصور؟ هل هي أيضًا جزء من إرادة لم تثمر؟»
كانت بينها صورة تجمعنا يوم تخرّجنا من الجامعة.
ابتسم ساخرًا، وقال بنبرة تملؤها مرارة السنين:
«هذا هو الجدار الذي بنيته أنت حين أدارت الطائرة ظهرها لبلدتنا. تركت لي ظلك هنا، وظللتَ تبنيه كلما نسيت اسمي في زحام مدن الحضارة. أنت لا ترى جدارًا، أنت ترى وجهك حين قررت أن تنجو وحدك».
مددت يدي لألمس السطح، فخيّل إليّ أنه بارد كجلد ميت، لكنه ارتعش تحت أصابعي ككائن حي يستعد لمكاشفة قاسية.
سحب صديقي يدي عنه.
نظر إلى الموضع الذي لمسته، ثم تركني أتقدم.
وقفت أمام الجدار الثالث. لم أرَ فيه ما يستحق الوقوف، غير أن صديقي قال:
«هذا جدار الهرب».
قلت:
«ألم أهرب بما يكفي؟»
قال:
«كنتَ تسميه نجاة».
لم أجبه. تجاوزته إلى الجدار الرابع.
بدا لي بلا معنى. اقتربت منه، فلم أجد ما يميّزه عن جدار لم يُبنَ لشيء. وضعت كفّي عليه، فشدّ صديقي يدي بغضب.
تراجعت خطوة، ونظرت نحو الباب المفتوح. لم أعد أرغب في رؤية الجدران الباقية.
قلت بنبرة حادة:
«هل بنيت غرفة للإنعاش أم لبقاء المرض؟ ومنذ متى نحتفي بالخطأ؟»
لم يجبني.
التفتُّ إلى الجدران الثلاثة التي لم نبلغها. لم أتبين منها شيئًا، غير أن الهواء بدا أقل مما كان حين دخلت. حاولت أن أبتعد خطوة عن الجدار الرابع، فترددت قدماي.
قلت، وقد بدأ صوتي يرتفع:
«هل انتظرت عشر سنوات لتريني أنك ما زلت في دهليز الخطأ؟ أيعقل أنك امتطيت وحش الإرادة، فافترس شبابك، وعلّقك على جدران حتى صار علوّها لا يعنيك؟»
نظرت إلى وجهه، لكنه لم ينظر إليّ.
صرخت:
«لماذا بقيت وكأنني ثبّتُّك في أوتاد لا تُفك؟ أما كان عليك أن تكتب لي؟»
توقفت، ثم قلت بصوت أخفض:
«أما كان عليّ أن أكتب لك؟»
لم يجبني.
قلت، وأنا أشير إلى الجدران:
«إن كنت تحب العبث بحياتك، فاعبث في مخرج ينجيك، لا في جدران تحاصرك. بابك المفتوح دعوة لي بالدخول، أما خروجك فشأنك، حتى لو كان إلى جدران أخرى».
نظر إلى الجدران الثلاثة الباقية، ثم إلى الجدار الأول الذي لم يسقط. أطال النظر، كأنه يراه للمرة الأولى.
التفت إليّ، وفي صوته فرح غريب:
«الأول لم يسقط! فكيف تنبأت بسقوطه؟»
لم أجبه.
انتظرت أن يقودني إلى الباب.
لكنه ظل واقفًا.
نظر إلى الباب المفتوح.
قال بصوت خافت:
«لم أغلقه أبدًا».
ثم أضاف، كأنه يحدث نفسه:
«أتدري؟ ربما يبدأ الخروج عند الدخول. لكن من يدخل جوفه، ولا يضلّ في كهوفه؟»
لم يتحرك. أمسك يدي كما فعل حين جاءني، لكن قبضته هذه المرة كانت مرتخية.
قال:
«اسمعني أيها العائد، لا تظن أنني أتبعك لمجرد أنني أطلعتك على جدراني. إنني أتبعك لأحرص على نفسي من جدار ثامن تزرعه أنت».
خرجنا.
التفت خلفه طويلًا، ثم قال بصوت لم أعرف فيه صاحبي القديم:
«لماذا جئت؟»
قلت:
«أنت من جاء إليّ».
هزّ رأسه وقال:
«كنت أريدك أن ترى غرفتي، لا أن تأخذها مني».
نظرت خلفنا. كانت الجدران السبعة لا تزال في مكانها، والباب مفتوحًا.
ط. عرابي - دريسدن