♕ حينَ سألَ البحرُ مرآتي ♕ بقلم الشاعر : فرحات نزيه
حينَ سألَ البحرُ مرآتي قالَ البحرُ: مَن أنتَ؟ قلتُ: ومَن أنا؟ فأطرقَ الموجُ، ثم مضى نحوَ المدى وكأنَّهُ في صمتِهِ كانَ السؤالَ... وكانَ الجوابْ. قالَ: أراكَ أتيتَ من تعبِ الطريقْ، وفي عيونِكَ ألفُ موجةِ غائبٍ، وأراكَ تحملُ في يديكَ بقايا حلمٍ لم يجدْ شطآنَهُ، فتكسَّرتْ فيكَ السفنْ. قلتُ: يا بحرُ، لا تسألْ، فإنّي جئتُ أبحثُ عنكَ منذُ وُلدتُ، وكلّما ظننتُ أنّي قد وجدتُكَ، كانَ وجهُكَ في المدى يتوارى خلفَ الموجِ، ثم يعودُ يسألني: مَن أنتَ؟ قالَ البحرُ: أنا الذي علَّمتني الريحُ كيفَ أجيءُ، وكيفَ أعودْ. أنا الذي في المدِّ أصعدُ نحوَ شمسِ الأرضِ، ثم أعودُ، أحملُ أسرارَها إلى الأعماقِ دونَ شهودْ. أنا الذي أبدو هادئًا، والعاصفاتُ بداخلي، وأهبُ الشواطئَ لؤلؤًا، وأخبّئُ في جوفي ما لا يُقالْ. فيَّ الحوتُ، والماسُ، والعنبرُ، والأصدافُ، والأسرارُ، والأحلامُ، والأرواحُ حينَ يضيقُ بها المجالْ. لكنَّ جوفي لم يزلْ عطشانَ رغمَ الماءِ، رغمَ المطرْ. فما ملأَ الأعماقَ ماءٌ، ولا حوتٌ، ولا صخرٌ، ولا حجرْ. قلتُ: يا بحرُ، فمن تكونُ إذن؟ قالَ: أنا أنتَ حينَ لا تجدُ الكلامْ. أنا صمتُكَ المتعبُ حينَ يض...