♕ مقالة .. خريف العمر وحلم مفقود ♕ بقلم الكاتب : مدحت الحلفاوي
مدحت الحلفاوي يكتب:
خريف العمر وحلم مفقود
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملكت قلبا وملكت معه كل شيء. كان ذلك القلب بالنسبة لي دنيا كاملة وحلما فيه الحب والراحة وكل ما تمنيت أن أعيشه.
كنت أرى المستقبل أمامي جميلا وأصدق أن الأيام ستمنحنا العمر الكافي لنكمل الحكاية. لم أكن أعرف أن بعض الأحلام تكون أجمل وهي في القلب وأن الحياة قد تأخذها منا فجأة دون أن تمنحنا فرصة حتى لنودعها.
وفجأة ضاع الحلم. تغير كل شيء وأصبحت الأيام التي كنت أعيشها في خيالي مجرد ذكريات. حاولت أن أقنع نفسي أن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد وأن الزمن قادر على أن يداوي كل شيء. لكن بعض الجروح لا تلتئم لأنها ليست جروحا في القلب فقط وإنما جروح في العمر نفسه.
فقدت حلما كنت أراه حياتي وفقدت معه جزءا من نفسي التي كانت تعرف كيف تفرح وتصدق وتنتظر الغد.
مرت السنوات وتغيرت الدنيا وبقيت الذكريات. يكفي أحيانا مكان قديم أو صورة عابرة حتى يعود كل شيء إلى قلبي مرة أخرى. أتذكر الأيام التي كنت أظن أنها ستبقى وأتذكر كيف كنت أحلم وكيف كنت أفرح بأشياء صغيرة لأنني كنت أرى فيها بداية حياة كاملة. ثم أعود إلى الحاضر وأدرك أن العمر مضى وأن ما تمنيناه أصبح أبعد من أن يعود.
وفي خريف العمر تصبح الذكريات أكثر وجعا.
في الشباب نظن أن الوقت طويل وأن الفرص لا تنتهي. ثم نكبر ونعرف أن بعض الفرص إذا ضاعت لا تعود وأن بعض الأحلام لا يكون لها عمر آخر. عندها لا نبكي على الحلم وحده وإنما نبكي على السنوات التي مرت ونحن ننتظره وعلى أنفسنا التي تغيرت دون أن نشعر.
وأحيانا يأتي الليل بكل ما أخفيناه طوال النهار. نجلس وحدنا فتعود الوجوه والأماكن والكلمات. نتذكر من أحببنا ومن رحل ومن تركناه رغم أن القلب كان يريد البقاء. وربما تلمع العين بدمعة صغيرة نحاول أن نخفيها لأننا لا نريد لأحد أن يعرف أن في داخلنا حكاية لم تنته.
ثم نفهم أن بعض الفراق لا يكون لأن الحب انتهى. أحيانا يكون الفراق تضحية. نترك من نحب ونترك الحلم معه لأننا نعرف أن البقاء قد يؤذي من أحببناه. نمضي ونحن نحمل في قلوبنا كلاما لم نقله وذكريات لا نستطيع دفنها ونحاول أن نقنع أنفسنا أن ما فعلناه كان الصواب. لكن القلب لا يعرف الحسابات. يبقى يحب بطريقته القديمة ويبقى يتذكر.
ومع مرور العمر لا يعود الإنسان يطلب عودة ما مضى. يكفيه أحيانا أن يتذكره دون أن ينهار. يكفيه أن يعرف أن هناك يوما كان فيه سعيدا وأن هناك حلما جعله يشعر أن الدنيا كلها ملك يديه. ثم يمضي العمر ونبقى نحن والذكرى.
وربما كانت أقسى حقيقة أنني لم أخسر حلما فقط. لقد خسرت حياة كنت أتمنى أن أعيشها. ولهذا كلما عاد الماضي إلى قلبي شعرت أن شيئا في داخلي يبكي بصمت. فأمسح دمعتي وأكمل طريقي وأترك الحلم في مكانه القديم. فقد تعلمت أن بعض الأحلام لا تموت. هي فقط تتحول إلى وجع نعيش به حتى آخر العمر. وربما كانت دمعة واحدة في آخر الليل تختصر كل الحكاية.
وفي النهاية لا نبكي على حلم ضاع فقط. نبكي على عمر مضى ونحن نتمنى لو عاد بنا الزمن لحظة واحدة. لحظة نتمسك فيها بمن أحببنا قبل أن يصبح كل شيء ذكرى. لكن العمر لا يعود والحلم لا يعود وتبقى في القلب حكاية لا يعرف وجعها إلا صاحبها.
اللهم ارحم كل قلب اضطر إلى الفراق وهو ما زال يحب وعوض كل من ضحى بحلمه من أجل من يحب واجعل ما بقي من العمر أرحم من كل ما مضى.
مدحت الحلفاوي
قلم وطني لا يعرف إلا الحق ولا ينحني إلا لله ولمصر
مدحت_الحلفاوي

تعليقات
إرسال تعليق