♕ مقالة .. 6 أكتوبر.. يوم عبرت مصر من وجع الهزيمة إلى مجد النصر ♕ بقلم الكاتب : مدحت الحلفاوي
مدحت الحلفاوي يكتب:
6 أكتوبر.. يوم عبرت مصر
من وجع الهزيمة إلى مجد النصر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هناك أيام تمر على ذاكرة الشعوب ثم تصبح جزءا من وجدانها لا يملك الزمن أن يمحوها وهناك أيام تولد فيها الحكاية من بين النار والدخان ويكتب فيها الرجال صفحة جديدة من تاريخ الوطن ويوم السادس من أكتوبر واحد من تلك الأيام التي لا تحتاج مصر فيها إلى كثير من الكلام لأن التاريخ نفسه يتحدث عن جيش استعاد ثقته وشعب استعاد كرامته وأرض بدأت تسترد مكانتها على طريق طويل من التضحية والصبر.
بعد حرب يونيو 1967 بقيت سيناء تحت الاحتلال وبدأت مصر مرحلة شاقة من إعادة بناء القوات المسلحة وإعداد الإنسان المصري لمعركة استعادة الأرض. لم تكن المسألة مجرد تجهيز سلاح أو تحريك قوات وإنما كانت معركة إرادة كاملة شارك فيها الجيش والشعب والدولة. وجاءت حرب الاستنزاف لتكون مرحلة مهمة في الإعداد والتدريب واكتساب الخبرة حتى أصبحت القوات المسلحة المصرية أكثر استعدادا للحظة التي ستأتي.
وفي السادس من أكتوبر عام 1973 الموافق العاشر من رمضان 1393 هجرية جاءت ساعة الصفر. انطلقت الضربة الجوية المصرية في الثانية وخمس دقائق ظهرا بالتزامن مع تمهيد نيراني مكثف على طول الجبهة. ثم بدأت قوات المشاة عبور قناة السويس واقتحام الساتر الترابي ومواجهة تحصينات خط بارليف. خلال الساعات الأولى تمكنت القوات المصرية من إقامة ممرات في الساتر الترابي وإنشاء الكباري وتشغيل المعديات وبدأت الأعلام المصرية تعود إلى الضفة الشرقية للقناة.
كان العبور أكبر من مجرد عبور قناة مائية. كان عبورا من مرحلة إلى مرحلة ومن ذاكرة الانكسار إلى استعادة الثقة. الجنود الذين حملوا أرواحهم على أكفهم لم يكونوا يبحثون عن مجد شخصي وإنما كانوا يقاتلون من أجل أرض يعرفون قيمتها ومن أجل وطن يعرفون أن الدفاع عنه شرف لا يساويه شرف.
وكان التخطيط للحرب جزءا من قصة النصر. فقد أظهرت وثائق وزارة الدفاع أن التخطيط الاستراتيجي المصري شمل إعداد القوات وخطط العمليات والتعاون بين عناصر القوات المسلحة ومراجعة الخطط واختبارها قبل التنفيذ. وهذا يؤكد أن العبور لم يكن لحظة حماس عابرة وإنما نتيجة إعداد طويل وعمل دقيق وإرادة سياسية وعسكرية استعدت لتحمل ثمن المعركة.
وفي قلب هذه الملحمة وقف الجندي المصري. ذلك الرجل الذي عبر القناة تحت النيران وصعد الساتر الترابي واقتحم مواقع العدو وهو يعرف أن الطريق أمامه محفوف بالموت. وقف معه رجال القوات الجوية والبحرية والدفاع الجوي والمدفعية والهندسة وكل أفرع القوات المسلحة التي شاركت في معركة واحدة كان عنوانها مصر وقد كان للدفاع الجوي دور مهم في توفير الحماية للقوات والتشكيلات والأهداف الحيوية خلال مراحل القتال.
ولأن الحروب لا تصنعها البنادق وحدها فقد كان خلف المقاتل المصري وطن كامل. أسرة تنتظر ابنها وأم ترفع يدها إلى السماء وأب يخفي خوفه خلف كلمات الثبات وزوجة تعرف أن زوجها خرج إلى المعركة وقد يعود وقد لا يعود. كان الشعب كله في تلك اللحظة جزءا من المعركة وكل بيت مصري يحمل نصيبه من القلق والدعاء والانتظار.
ثم جاءت الأيام التالية حاملة معها معارك صعبة وتضحيات كبيرة واستمر القتال حتى الوصول إلى مراحل وقف إطلاق النار ثم مفاوضات فض الاشتباك وانسحاب القوات الإسرائيلية من أجزاء من الأراضي التي احتلتها في سيناء. وكانت حرب أكتوبر محطة حاسمة في مسار استعادة سيناء التي اكتمل تحريرها لاحقا.
لكن قيمة أكتوبر لا تختصر في صورة دبابة عبرت أو علم ارتفع أو ساتر ترابي انهار. القيمة الأعمق أن مصر أثبتت أن الهزيمة لا تعني نهاية التاريخ وأن الأرض التي تضيع يمكن أن تعود إذا بقيت إرادة أصحابها حاضرة. أثبتت أن الجيش المصري قادر على إعادة بناء نفسه وأن الجندي المصري قادر على مواجهة أصعب الظروف عندما يكون خلفه وطن يؤمن به ويؤمن به الوطن.
ولهذا فإن السادس من أكتوبر ليس مجرد ذكرى عسكرية نحتفل بها كل عام. إنه درس مصري كامل في الصبر والإعداد والإرادة والتضحية. درس يقول للأجيال الجديدة إن الأوطان لا تحفظ بالكلام وحده وإنما بالعمل والعلم والانضباط والوعي والقدرة على حماية الأرض وصون الكرامة.
وفي كل عام عندما يأتي السادس من أكتوبر نتذكر رجالا حملوا أرواحهم من أجل أن تبقى مصر واقفة. نتذكر الشهداء الذين لم يعودوا إلى بيوتهم ونستعيد أسماء الأبطال الذين صنعت تضحياتهم لحظة ستظل محفورة في الذاكرة المصرية. ونتذكر أن النصر الحقيقي لا يكون فقط في عبور أرض أو كسر خط دفاع وإنما في أن يبقى الوطن عزيزا في عيون أبنائه وأن يعرف كل جيل قيمة الأرض التي ورثها وقيمة الدم الذي سال من أجلها.
سلام على شهداء أكتوبر. وسلام على كل جندي مصري وقف في أصعب اللحظات وقال إن مصر أولا. وسلام على جيش مصر الذي كتب في السادس من أكتوبر صفحة من أعظم صفحات التاريخ العسكري المصري.
اللهم احفظ مصر وشعبها وجيشها وشرطتها ورد عن وطننا كل سوء واحفظ رجال قواتنا المسلحة الذين يحملون أمانة الوطن في كل وقت. وارحم شهداء مصر جميعا واجعل تضحياتهم نورا في تاريخ هذا الوطن.
مدحت الحلفاوي
قلم وطني لا يعرف إلا الحق ولا ينحني إلا لله ولمصر
مدحت_الحلفاوي

تعليقات
إرسال تعليق