صرخه معاش
قلم عزه كامل
يا صاحبَ العمرِ الذي أفنى السنينْ
في دربِ عملٍ، بينَ تعبٍ وأنينْ
قد كنتَ بالأمسِ الذي يمضي سريعًا
صوتَ العطاءِ، وموطنَ الحلمِ الأمينْ
واليومَ جئتَ إلى المعاشِ، كأنما
سقطتْ مواعيدُ الحياةِ من السنينْ
لا مكتبٌ ينتظرُ الخطى، لا زحمةٌ
ولا رفاقُ الأمسِ حولكَ مجتمعينْ
فتساءلَ القلبُ الحزينُ بداخلكْ:
هل انتهتْ أدواري؟ أأصبحتُ لا أُعينْ؟
هل بعدما أفنيتُ عمري كلَّهُ
صارَ وجودي في الحياةِ بلا ثمينْ؟
لا يا رفيقَ العمرِ، لا تحزنْ ولا
تجعلْ من المعاشِ خاتمةَ الحنينْ
فالعمرُ ليسَ وظيفةً تنتهي، ولا
قيمُ الرجالِ تُقاسُ بالراتبِ أو سنينْ
لكنْ هناكَ همومُ بيتٍ أثقلَتْ
كتفَ الكبيرِ، وأرهقتْ قلبَ السنينْ
معاشُ زوجٍ، وزوجةٌ قد أنهكتْ
أيامَها الأمراضُ والوجعُ الدفينْ
مصارِفُ العلاجِ، وغلاءُ معيشةٍ،
والبيتُ يحتاجُ الكثيرَ من اليقينْ
كيفَ يكفي الدخلُ القليلُ لحاجةٍ
تزدادُ كلَّ صباحِ يومٍ أو حينْ؟
فتنامُ عيناهُ وفي صدرِهِ سؤالٌ:
مَن سوفَ يحملُ عنيَ الحملَ الثقيلْ؟
ويظلُّ يخشى أن يكونَ عبئًا على
أهلٍ أحبَّهمُ، وذاكَ هو العذابُ الأصيلْ
وقد يكونُ المرضُ فوقَ معاشِهِ
فيزيدُ في جسدِ المُسنِّ من الأنينْ
مرضٌ يجرُّ إلى العزلةِ خطوَهُ،
والعزلةُ السوداءُ تزرعُ في الفؤادِ أنينْ
فيقلُّ مشيُهُ، ثم تقلُّ زيارتُهُ،
ويصيرُ يومُهُ صامتًا دونَ معينْ
حتى يجيءَ الاكتئابُ كزائرٍ
يُخفي وراءَ صمتهِ وجعًا دفينْ
والغضبُ أحيانًا يكونُ رسائلًا
لا قسوةً، لكنْ صرخةُ القلبِ الحزينْ
إن صاحَ أو انفعلَ، فلا تجرحْ فؤادَهُ،
فوراءَ كلِّ صراخهِ ألمٌ دفينْ
هو لا يريدُ أذى أحدٍ حولَهُ،
لكنهُ موجوعٌ ولا يدري كيفَ يبينْ
فامسحْ على قلبِهِ، وقُلْ لهُ برفقٍ:
"نحنُ هنا... لن تظلَّ وحدكَ يا ثمينْ"
واجلسْ بقربِهِ، ولو عشرَ دقائقٍ،
فالدربُ يخفُّ حينَ نجدُ بهِ أنيسْ
مكالمةٌ، فنجانُ شايٍ، ضحكةٌ،
قد تُرجعُ الإنسانَ من قاعِ اليأسِ
دعْهُ يحكي عن السنينِ وحُلمِهِ،
عن أولِ الأيامِ، عن مجدِ السنينْ
فحكايةُ الإنسانِ حينَ يرويها
قد تستعيدُ الروحَ بعدَ أنينْ
واجعلْ لهُ هدفًا ولو كانَ بسيطًا:
زرعًا يسقيهِ، أو يكتبُ سطرًا من حنينْ
ركعةٌ، قرآنُ، دعاءٌ، لوحةٌ،
أو قصةٌ يحكيها لأحفادٍ صغارٍ مبتسمينْ
فالعطاءُ لا يعرفُ شبابًا أو مشيبًا،
والموهبةُ لا تنتهي بانتهاءِ السنينْ
كم حكمةٍ خبأتها أعمارُنا
وكم التجاربِ تُنيرُ دروبَ الآخرينْ
أنتمْ "بنكُ الخبرةِ" الذي نحتاجُهُ،
أنتمْ حكايا الصبرِ عبرَ السنينْ
أنتمْ يدٌ إن ضاقَ يومٌ بالأسى،
وأنتمُ الحكمةُ في زمنٍ حزينْ
فإن تقاعدتَ عن وظيفتكَ التي
أفنيتَ فيها العمرَ، لا تتقاعدنْ
عن حلمِكَ، عن عطائك، عن الحياةِ،
ولا تقلْ: "ماذا تبقّى؟" بل تقدَّمْ وابتسمْ
واجعلْ معاشَكَ بدايةَ رحلةٍ،
لا ورقةً تُطوى بآخرِ فصلِ عمرْ
فابدأْ حياةً كنتَ تؤجلُها،
وازرعْ من الوقتِ الجميلِ بها زهرْ
والعمرُ رقمٌ، والعطاءُ بلا حدودْ،
والقلبُ إن أحبَّ الحياةَ فلا يموتْ
قد يضعفُ الجسدُ، لكنَّ المدى
في الروحِ أوسعُ من قيودِ الوقتِ والموتْ
يا كلَّ بيتٍ فيهِ مسنٌّ متعبٌ،
كونوا لهُ وطنًا إذا ضاقَ المكانْ
لا تجعلوهُ يشعرْ بأن وجودَهُ
عبءٌ عليكمْ أو زيادةُ ما يُعانْ
هو الذي أعطى من العمرِ الكثيرْ،
هو الذي حملَ الطريقَ بلا أمانْ
واليومَ يحتاجُ احتضانَ أحبّةٍ،
وكلمةً تمحو من القلبِ الأحزانْ
سنُّ المعاشِ ليسَ نهايةَ رحلةٍ،
بل صفحةٌ أخرى تُخطُّ من جديدْ
فلتكتشفْ موهبتَكَ، ولتمنحْ من
خبراتِ عمركَ كلَّ قلبٍ مستفيدْ
العمرُ رقمٌ... والعطاءُ بلا حدودْ
والإنسانُ يبقى شامخًا مهما يَشِبْ
ما دامَ في قلبِهِ نبضٌ للحياةِ،
فلكلِّ يومٍ في الحياةِ لنا سببْ.
بقلم عزة كامل 🖋️

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق