♕ بئر الحبّ ♕ بقلم الشاعر : عبد الصاحب الأميري
بئر الحبّ
بقلم
السفير عبدالصاحب أميري
عبدالصاحب الأميري
&&&&'&&&&&&
بئر الحبّ
رسمتُ على اللوحِ فتاةً سمراء،
في العشرين من عمرها،
تُحاصرها الطفولةُ من جهة،
ويوقظها الحياءُ من جهةٍ أخرى.
رسمتُ عينيها أولًا،
ثم تركتُ للدهشة أن تُكمل ملامحها.
كانت تُطرق برأسها،
كأنها تخشى أن تفضح عيناها
ما عجزت شفتاها عن قوله.
تأملتها طويلًا،
فابتعد وجهها عن نظراتي،
وانتصب الحياء بيننا
كجدارٍ من ورد.
ومنذ تلك اللحظة،
بدأ شيءٌ غريب
يجري في عروقي...
لم أعشق ملامحها،
بل عشقتُ ارتباكها،
ذلك الحياء الذي كان
أجمل من ألف اعتراف.
اصفرّ وجهي،
وهربتُ من عينيها،
فإذا بصوتٍ غامض
يخترق سمعي:
لقد وقعتَ...
نعم،
وقعتُ في بئر الحب.
بئرٌ لا قاع له،
ولا حبلَ نجاة.
تساقط العرق من جبيني،
وتعثرت أنفاسي،
بينما وجدتها
تلهو وتضحك في قلبي
دون أن تستأذن أذني.
ثم همست:
أتحبني؟
ارتجف داخلي،
وعاد ذلك الشيء الغريب
يجري في عروقي من جديد.
همهمةٌ بعيدة،
كأن القلب نفسه
كان يحاول الكلام.
لملمتُ ما تبقى من حيائي،
وأدركتُ فجأة
أن العالم كله يراقبني،
وأن سرًّا صغيرًا
كان يسكن صدري
قد صار أكبر من قدرتي على إخفائه.
لقد انكشف أمري.
نظرتُ إلى اللوح،
إلى وجهها الذي رسمته بيدي،
وفكرتُ أن أمحوها...
مددتُ يدي،
أمسكتُ بمنديلي،
وقبل أن ألمس الرسم
ابتسمت.
ابتسمت هي.
وحينها فهمتُ...
لم تكن تريد الخلاص مني،
بل كانت تريد الخلاص من اللوح،
من تلك الحدود الضيقة
التي حبستُ فيها ملامحها.
قالت:
أنا وُلدتُ الآن...
أفلا تبارك يوم مولدي؟
فقلتُ في سري:
بل أباركُ يوم مولدي أنا،
يوم سقطتُ في بئر عينيك،
يوم صار الحبُّ قدري
وصرتِ أنتِ حكايتي.
قالت:
أريد قتلك.
فضحكتُ...
وكيف ينجو المرء
من قاتله
إذا كان القاتلُ حبًّا؟
لن تنجو...
فالحبُّ لا يقتلُنا مرةً واحدة،
بل يتركنا أحياءً
نركض منه إليه.
يلاحقنا في الطرقات،
في المرايا،
في الأغاني،
وفي الوجوه التي تشبهه.
يلاحقنا أينما ذهبنا...
حتى إذا ظننا أننا نجونا،
وجدناه ينتظرنا
في آخر الطريق،
واقفًا عند فم البئر...
ويقول:
كنتَ تظن أنك وقعتَ في الحب،
وما كنتَ تعلم
أن الحبَّ هو الذي وقع فيك.
بقلم
السفير عبدالصاحب أميري
عبدالصاحب الأميري
العراق

تعليقات
إرسال تعليق