♕ مقالة .. ثنائية الذكر والبر ♕ بقلم الكاتب : الحبيب المغازي الإدريسي

 ثنائية الذكر والبر

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على النبي الكريم وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

إن رؤية الدين من خلال ثنائية "الذِّكر والبِر" تلخص جوهر الإسلام بشكل دقيق وبليغ؛ فهي تجمع بين حركية القلب واللسان باتجاه الخالق (الذِّكر)، وحركية الجوارح والسلوك باتجاه الخلق والعمل الصالح (البِر).

​هذا التقسيم ليس مجرد تصنيف نظري، بل هو هيكل حقيقي تتداخل فيه العبادة القلبية والقولية مع التطبيق العملي والأخلاقي، وهو ما يُعرف في أصول الدين بـ "حق الله وحق العباد".

​وإليكم قرائي الأعزاء كلمة مفصلة لهذه الثنائية مدعومة باستشهادات من القرآن الكريم ومن السنة النبوية المطهرة:

​أولاـ شق الذِّكر :

الصلة بالله والعبادة القلبية والقولية

      إن ​الذِّكر في المنظور الإسلامي ليس مجرد تمتمة باللسان، بل هو حضور القلب مع الله، وهو الغاية الكبرى من العبادات كلها. فالصلاة أُقيمت للذِّكر، والحج جُعل لإقامة ذِكر الله.

      ويعتبر الذكر ​أساس الطمأنينة والهوية الإيمانية: يقول الله تعالى:

 ​"الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" (الرعد: 28).

     والذكر أيضا يعتبر من ​أكبر مقاصد العبادة: يقول سبحانه: 

​"اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ" (العنكبوت: 45).

      وهو كذلك ​المعيار بين الحياة والموت المعنوي بحيث أمر الله بذكره في كل الأحوال يقول الله تعالى : ​"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا . وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا" (الأحزاب: 41-42).

      ​ ​وجاء في السنة النبوية بأن الذاكرين أحياء حياة معنوية وهي حياة القرب من الله ،فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ​"مَثَلُ الذي يَذْكُرُ رَبَّهُ والذي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ" (رواه البخاري).

      ويعتبر الذكر من ​أفضل الأعمال: فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ​"ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم ؟ قالوا: بلى، قال: ذِكْرُ الله تعالى" (رواه الترمذي).

ثانيا ـ شق البِر

 العمل الصالح، الأخلاق، والإحسان إلى الخلق ​

       إذا كان الذِّكر هو عماد العلاقة مع الخالق، فإن البِر هو الثمرة العملية والبرهان الصادق على هذا الذِّكر. البِر كلمة جامعة لكل أفعال الخير، وحسن التعامل مع المجتمع، والقيام بالواجبات والمسؤوليات.  

        لقد صاغ القرآن الكريم مفهوم البِر في آية جامعة تفكك التدين الشكلي وتربطه بالعمل والإصلاح، حيث يقول تعالى: ​"لَّيْسَ الْبِرُّ أن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَٰمَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ" (البقرة: 177).

وأما الآية التي تؤكد ​التلازم بين العطاء والبِر: فهي قوله عز من قائل ​"لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ" (آل عمران: 92).

​ ​وقد عرفت السنة النبوية أن البِر هو حسن الخلق:

فقد سأل النَّوَّاسُ بن سمعان رضي الله عنه الرسول صلى الله عليه وسلم عن البِر والإثم، فقال: ​"البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإِثْمُ ما حَاكَ في صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ" (رواه مسلم).​

​وأعلى صور البِر الإنساني بر الوالدين، كما في الحديث: ​"جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك" (متفق عليه).

​التلازم والتكامل بين الذِّكر والبِر ​إن جمال هذا التقسيم يكمن في أنه لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر في بنية التدين السليم.

فالذِّكر بلا بِر قد يتحول إلى تدين انعزالي بارد لا يترك أثراً في الأرض، والبِر بلا ذِكر ـ بمعنى العمل الإنساني المجرد من احتساب الأجر والصلة بالله ـ يصبح جسداً بلا روح، يفقد ديمومته وغايته الأخروية. ​وقد جمع الله بينهما في صفات عباد الرحمن والأمة المصطفاة في مواضع شتى، كقوله تعالى: ​"الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" (آل عمران: 191). ​

لهذا فالذِّكر مع التفكر يثمر فوراً سلوكاً صالحاً وعملاً بَارّاً في الحياة اليومية. إنها ثنائية متناغمة تنقل المسلم من طهارة السريرة (بالذِّكر) إلى استقامة العلانية ونفع الناس (بالبِر). والله المستعان.

إعداد 

الحبيب المغاري الادريسي

المغرب



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

♕ خلف الأسوار ♕ بقلم الشاعرة : إنتصار محمود

♕ مَنْ يُحاسِبُ الْمَوْتَ ؟ ♕ بقلم الشاعر : محمد زغلال محمد

♕ مواسم الحنين ♕ بقلم الشاعرة : منيرة الشابي