♕ ها قد التقينا ♕ بقلم الشاعر : محمد السيد أحمد
ها قد التقينا
هَا قَدْ الْتَقَيْنَا بَعْدَ عُمْرٍ قَدْ مَضَى
ظِلًّا يَسِيرُ عَلَى جِدَارِ الذِّكْرَيَاءُ
عُمْرٌ كَأَنَّ الرِّيحَ مَرَّتْ فَوْقَهُ
وَبَقِيتِ وَحْدَكِ فِي الفُؤَادِ ضِيَاءُ
مَا زِلْتُ أَحْمِلُ أَوَّلَ اللَّحَظَاتِ مِنْ
عُمْرِي كَمَا حَمَلَ الدِّمَاءَ الوَرِيدُ نَقَاءُ
كَحَمْلِ نَبْضِي لِلْحَيَاةِ بِدَاخِلِي
كَحَمْلِ عَيْنِي لِلْغَسَقْ إِغْفَاءُ
فَالنُّورُ أَنْتِ إِذَا العُيُونُ تَغَافَلَتْ
وَالقَلْبُ أَنْتِ إِذَا القُلُوبُ تَنَاءُ
أَتَذْكُرِينَ الحَرْفَ كَيْفَ خَرَجْتِ بِهْ
مَا كَانَ حَرْفًا، كَانَ فِيهِ ابْتِدَاءُ
فَتْحٌ صَغِيرٌ فِي جِدَارِ الصَّمْتِ قَدْ
دَخَلَ الوُجُودُ إِلَيَّ مِنْهُ سَنَاءُ
قَدْ كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ حُبَّكِ لَهْفَةٌ
تَمْضِي وَتُطْوَى كَالدُّخَانِ هَوَاءُ
فَوَجَدْتُهُ سُؤْلًا يَنَامُ بِخَاطِرِي
وَيَقُومُ يَسْأَلُ وَالجَوَابُ خَفَاءُ
جَوَابُهُ لَا يُسْتَعَارُ بِلَفْظَةٍ
بَلْ يُسْتَعَاشُ وَفِي المَعِيشَةِ بَقَاءُ
تِلْكَ العِبَارَاتُ الَّتِي قُلْنَاهُمَا
مَا كُنَّ سَطْرًا خَطَّهُ الإِمْلَاءُ
كَانَتْ قُلُوبًا تَرْتَدِي لُغَةً لَهَا
نَبْضٌ يَصُوغُ الحَرْفَ مِنْهُ رُوَاءُ
وَقَفَ الزَّمَانُ لِكَيْ يُسَجِّلَ هَمْسَنَا
وَانْحَنَّتِ الأَرْضُ الَّتِي تَحْتَ السَّمَاءُ
وَكَأَنَّنَا كُنَّا نُعِيدُ خَلِيقَةً
مَعَ كُلِّ حَرْفٍ، وَالوُجُودُ بِنَاءُ
نَكْتَشِفُ الدُّنْيَا بِوَقْفَةِ عَاشِقٍ
وَالوَقْفُ عِنْدَ العَاشِقِينَ لِقَاءُ
مَا قُلْتُ إِنِّي عَاشِقٌ مُتَوَلِّهٌ
حَتَّى يُقَالَ بِأَنَّ ذَاكَ رِيَاءُ
بَلْ قُلْتُ إِنِّي فِي عُيُونِكِ مُبْصِرٌ
مَا لَا يَرَاهُ النَّاظِرُونَ وَرَاءُ
وَسَمِعْتُ فِي صَوْتِكِ الَّذِي أَحْبَبْتُهُ
مَا لَا تُحِيطُ بِسِرِّهِ الآذَانُ إِصْغَاءُ
إِنَّ العُيُونَ إِذَا رَأَتْكِ تَوَقَّفَتْ
وَالسَّمْعُ إِنْ نَادَيْتِ فِيهِ صَفَاءُ
فَتَبَسَّمَتْ شَفَتَاكِ، وَانْفَتَحَ المَدَى
وَكَأَنَّ ذَاكَ الثَّغْرَ فِيهِ شِفَاءُ
تِلْكَ ابْتِسَامَتُكِ الَّتِي لَوْ فُسِّرَتْ
عَجَزَ البَيَانُ وَخَانَهُ الإِحْصَاءُ
هِيَ ذَلِكَ الجَوَابُ الَّذِي لَا يَنْتَهِي
فِي كُلِّ قَلْبٍ حَلَّ فِيهِ عَلَاءُ
لَا يَحْتَوِيهِ تَرْجَمَانٌ نَاطِقٌ
وَلَا يُعِيدُ نَقَاءَهُ اسْتِقْصَاءُ
هَا نَحْنُ عُدْنَا وَالسِّنُونَ كَأَنَّهَا
مَاءٌ يُنَقِّي حُبَّنَا وَيُضِيءُ إِضَاءُ
مَا غَيَّرَتْنَا، بَلْ أَزَالَتْ غَيْمَنَا
حَتَّى بَدَا لِلْعَيْنِ مِنَّا الضَّوْءُ وَالْوُضُوحُ جَلَاءُ
الحُبُّ لَيْسَ بِأَنْ نَكُونَ تَجَمَّعًا
عِنْدَ اللِّقَاءِ وَيَنْتَهِي الإِغْرَاءُ
الحُبُّ مَا يَبْقَى إِذَا غِبْنَا مَعًا
وَيَظَلُّ يَحْرُسُ عَهْدَنَا الإِخْلَاصُ وَالوَفَاءُ
هُوَ مَا حَمَلْنَاهُ مِنَ البُعْدِ الَّذِي
يَبْقَى عَلَى مَرِّ النَّوَى إِحْيَاءُ
إِنَّ الحَقِيقِيَّ الَّذِي لَا يَنْتَهِي
سِرٌّ يُصَانُ وَفِي الضُّلُوعِ خَبَاءُ
هُوَ ذَلِكَ السُّؤَالُ الَّذِي فِي رُوحِنَا
يَنْمُو وَيَكْبُرُ لَيْسَ فِيهِ انْتِهَاءُ
وَجَوَابُهُ الصَّمْتُ الطَّوِيلُ إِذَا ارْتَقَى
فَوْقَ الكَلَامِ فَكُلُّ قَوْلٍ هَبَاءُ
وَالصَّمْتُ حِينَ تَعْجَزُ الأَلْفَاظُ عَنْ
وَصْفِ الَّذِي فِي القَلْبِ فَهُوَ بَيَانُ بَلَاغَةِ البُلَغَاءُ
فَلْتَصْمُتِي، إِنَّ السُّكُوتَ إِذَا صَفَا
أَعْلَى مِنَ اللُّغَةِ الَّتِي تُتْلَى عَلَى الفُصَحَاءُ
وَلْتَنْظُرِي عَيْنَيَّ، تَعْرِفُ أَنَّنِي
مَا زِلْتُ ذَاكَ وَلَمْ يُغَيِّرْ قَلْبِيَ الجَفَاءُ
مَا زِلْتُ أَذْكُرُ كُلَّ هَمْسٍ بَيْنَنَا
وَكَأَنَّهُ فِي مَسْمَعِي الآنَ نِدَاءُ
وَكَأَنَّ أَوَّلَ مَرَّةٍ فِي عُمْرِنَا
عَادَتْ تُطِلُّ، وَمَا لَهَا إِخْفَاءُ
يَا مَنْ حَمَلْتُكِ فِي دَمِي وَمَشَاعِرِي
حَمْلَ السَّحَابِ لِلْمَطَرِ سَخَاءُ
عُودِي إِلَيَّ فَمَا اللِّقَاءُ بِصُدْفَةٍ
بَلْ إِنَّهُ قَدَرٌ أَتَى وَقَضَاءُ
إِنَّا خُلِقْنَا كَيْ نَكُونَ حِكَايَةً
لَا تَنْتَهِي، فِيهَا الهَوَى اسْتِثْنَاءُ
هَا قَدْ رَجَعْنَا وَالرُّجُوعُ كَرَامَةٌ
لِلْحُبِّ يَبْقَى، وَالمُحِبُّونَ سَوَاءُ
بقلم محمد السيد احمد

تعليقات
إرسال تعليق