♕ مقالة .. الغياب الحاضر ♕ بقلم الكاتب : علي سيف الرعيني

الغياب الحاضر !!

علي سيف الرعيني 


هناك غيابٌ أكثر قسوة يحدث بينما الأجساد حاضرة، والهواتف في متناول اليد، والأسماء لا تزال محفوظة في قوائم الاتصال. إنه الغياب الذي يتخفى خلف الانشغال، حتى يصبح الانشغال نفسه أسلوبًا للحياة وعذرا دائما لتأجيل كل ما هو إنساني.

في زمن السرعة، أصبح الجميع مشغولين. مشغولون بالعمل، وبالبحث عن لقمة العيش، وبملاحقة الأحلام، وبمتطلبات الحياة التي لا تنتهي. ولا شك أن السعي مسؤولية، وأن الاجتهاد فضيلة، لكن المشكلة تبدأ حين يبتلع الانشغال الإنسان، فينسى أن هناك قلوبًا تنتظر كلمة، ووجوهًا تشتاق إلى لقاء، وأرواحًا لا تحتاج منه سوى لحظة اهتمام صادقة.

كم من أبٍ يعيش مع أبنائه تحت سقفٍ واحد، لكنه غائب عن تفاصيلهم! وكم من أمٍ أنهكتها مسؤوليات الحياة، فلم تعد تجد وقتًا لتستمع إلى ما يدور في نفوس أطفالها! وكم من صديقٍ انقطعت أخباره سنوات، لا بسبب خصومة، وإنما لأن كل واحدٍ منهما أقنع نفسه بأنه "مشغول". وهكذا، تتآكل العلاقات بصمت، لا بفعل الخلافات، بل بفعل الإهمال المتراكم 

والأشد ألمًا أن يتحول الانشغال إلى عادة تقتل أجمل ما في الإنسان: حضوره الحقيقي. فقد يجلس مع من يحب، بينما ذهنه عالق في شاشة هاتفه، أو في قائمة أعماله، أو في هموم الغد يكون حاضرًا بجسده، وغائبًا بروحه، فيشعر الآخرون بوحدةٍ أشد من تلك التي كانوا سيشعرون بها لو كان بعيدًا بالفعل 

لقد علمتنا الحياة أن الإنسان لا يتذكر عدد الساعات التي عملنا فيها، ولا حجم الإنجازات التي حققناها، بقدر ما يتذكر لحظات الاهتمام، والكلمات التي خففت عنه وجعًا، والوجود الصادق في وقت الحاجة. فالعلاقات لا يحفظها الوقت وحده، بل يحفظها الاهتمام، ويحييها السؤال، ويقويها الشعور بأننا لسنا هامشًا في حياة من نحب 

ولا يعني هذا أن نهمل أعمالنا أو نتخلى عن مسؤولياتنا، بل أن نوازن بين ما نبنيه في الخارج، وما نحافظ عليه في الداخل. فما قيمة نجاحٍ مهني كبير إذا عدنا في نهاية الطريق لنجد أن من أحببناهم قد اعتادوا غيابنا؟ وما قيمة الإنجاز إذا كان ثمنه خسارة العلاقات التي كانت تمنح حياتنا معناها الحقيقي؟

إن أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لمن حوله ليس المال، ولا الهدايا، ولا الوعود الكبيرة، وإنما حضوره الصادق. دقيقة اهتمام قد تعيد الأمل إلى قلبٍ منكسر، ورسالة قصيرة قد تمنح شخصًا شعورًا بأنه ما زال مهمًا، وزيارة عابرة قد تداوي وحشة سنوات.

وبالتالي ليس كل انشغال ضرورة، وليس كل غياب قدرًا. فكثيرٌ من العلاقات لا تنتهي بسبب قلة المحبة، بل بسبب كثرة التأجيل، حتى يأتي يومٌ يصبح فيه اللقاء مستحيلًا، والكلمات متأخرة، والندم بلا جدوى.

فلننتبه قبل أن يتحول انشغالنا إلى غيابٍ دائم، وقبل أن نكتشف متأخرين أن أغلى ما خسرناه لم يكن الوقت، بل الأشخاص الذين كانوا ينتظرون منا مجرد لحظة حضور، بينما كنا نظن أن لديهم متسعًا لا ينتهي من الصبر !!



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

♕ خلف الأسوار ♕ بقلم الشاعرة : إنتصار محمود

♕ لَعْنَةُ القَصِيدَةِ ♕ بقلم الشاعر : يحيى عبدالله الغزالي

♕ حاولت كسري وهدمي ♕ بقلم الشاعر : حميد ايزوكاغن