♕ قصة .. آخِرُ كَلْبٍ مُحْتَرَم ♕ بقلم الكاتب : د. عبد الرحيم الشويلي
«الْكِلَابُ لَدَيْهَا أَسْنَانٌ، لَكِنَّ الْإِنْسَانَ لَدَيْهِ مُحَامُونَ.»
مَارْك تُوَيْن
قصة قصيرة
آخِرُ كَلْبٍ مُحْتَرَم
يَقِفُ كَلْبٌ ضَالٌّ كُلَّ صَبَاحٍ عِنْدَ بَوَّابَةِ الْمَحْكَمَةِ، يَهُزُّ ذَيْلَهُ لِكُلِّ دَاخِلٍ، ثُمَّ يَنْبَحُ عَلَى كُلِّ خَارِجٍ.يَضْحَكُ مِنْهُ الْمَارَّةُ، وَيَقُولُ أَحَدُهُمْ:ــ يَبْدُو أَنَّهُ يُمَارِسُ الْمُحَامَاةَ!
وَفِي يَوْمٍ، يُلْقِي أَحَدُ الْمُحَامِينَ إِلَيْهِ قِطْعَةَ لَحْمٍ، فَيَقْتَرِبُ الْكَلْبُ وَهُوَ يَهُزُّ ذَيْلَهُ امْتِنَانًا.
يُرَبِّتُ الْمُحَامِي عَلَى رَأْسِهِ، وَيَقُولُ مُبْتَسِمًا:ــ تَعَلَّمْ يَا صَدِيقِي... لَا تَعَضَّ أَحَدًا. الْعَضُّ أَصْبَحَ مِهْنَةً قَدِيمَةً.
يَهُزُّ الْكَلْبُ رَأْسَهُ، وَلَا يَفْهَمُ.
يَجْلِسُ تَحْتَ تِمْثَالِ الْعَدَالَةِ، وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَيْهِ.
يَقُولُ:ــ أَحَقًّا أَنْتِ عَمْيَاءُ؟
يُجِيبُهُ التِّمْثَالُ:ــ لَا... لَكِنَّهُمْ وَضَعُوا الْعِصَابَةَ عَلَى عَيْنَيَّ كَيْ لَا أَرَى مَنْ يُرَجِّحُ كِفَّةَ الْمِيزَانِ.
يَسْأَلُ الْكَلْبُ:ــ وَلِمَاذَا لَا تَخْلَعِينَهَا؟
يَصْمُتُ التِّمْثَالُ قَلِيلًا، ثُمَّ يَقُولُ بِصَوْتٍ يُشْبِهُ الْحَجَرَ:ــ لَوْ نَزَعْتُ الْعِصَابَةَ... لَمَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَحْمِلَ الْمِيزَانَ.
لَا يَفْهَمُ الْكَلْبُ أَيْضًا...
لَكِنَّهُ يَشْعُرُ بِأَنَّ الْعَالَمَ أَكْبَرُ مِنْ أَنْيَابِهِ!!.
وَبَعْدَ أَشْهُرٍ، يَرَى الْمُحَامِيَ نَفْسَهُ يَخْرُجُ مِنَ الْمَحْكَمَةِ مُنْتَصِرًا، بَيْنَمَا يَجْلِسُ خَصْمُهُ الْعَجُوزُ عَلَى الرَّصِيفِ، يَبِيعُ خَاتَمَ زَوَاجِهِ لِيُسَدِّدَ أَتْعَابَ الْقَضِيَّةِ.
يَقْتَرِبُ الْكَلْبُ مِنَ الْعَجُوزِ، وَيَلْعَقُ يَدَهُ بِحَنَانٍ.
ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى الْمُحَامِي طَوِيلًا.
وَيُخْرِجُ أَنْيَابَهُ.
لَكِنَّهُ يُعِيدُهَا إِلَى فَمِهِ فِي هُدُوءٍ.
يُدِيرُ ظَهْرَهُ، وَيَمْضِي.
لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِهِ، يَشْعُرُ بِالْخَجَلِ مِنْ أَنَّ لَهُ أَسْنَانًا...
بَيْنَمَا الْبَشَرُ يَتَعَلَّمُونَ كَيْفَ يَنْهَشُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا... مِنْ دُونِ أَنْ يَفْتَحُوا أَفْوَاهَهُمْ...!.
بقلمي
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
2.يوليو.تموز.2026م.

تعليقات
إرسال تعليق