♕ مرثيَّةُ الطفولةِ الأخيرة ♕ بقلم الشاعر : عاشور مرواني
مرثيَّةُ الطفولةِ الأخيرة
إلى الذين غادروا الأرضَ وبقيَ نورُهم
إلى كلِّ طفلٍ كان يجب أن يكبر...
وإلى كلِّ قلبٍ اختار أن يحميَ البراءةَ حين عجزَ العالم.
ليست هذه القصيدةُ رثاءً لأرواحٍ غادرت فقط، بل شهادةٌ على براءةٍ لم تجدْ في الأرضِ ما يليقُ بها من أمان.
هي محاولةٌ لملامسة وجعِ الطفولة حين تنكسرُ الأحلامُ قبل اكتمالها، ولتخليد صورةِ الإنسان حين يسمو فوق خوفه؛ كما فعلتْ تلك المربِّيةُ التي جعلتْ من قلبها ملاذًا أخيرًا، ومن حضنها وطنًا لا يسقط.
كتبتُ هذه المرثيةَ لا لأفتحَ جرحًا نازفًا، بل لأقول إنَّ الأرواحَ الطاهرة لا تغيب؛ فهي تبقى في الذاكرة، وفي الدعاء، وفي كلِّ يدٍ تمتدُّ لتحميَ طفلًا آخر.
فالطفولةُ ليست مرحلةً من العمر فقط...
إنها أمانةُ الإنسانية.
---
مرثيَّةُ الطفولةِ الأخيرة
كانَ الصبحُ يفتحُ نوافذَهُ
على ضحكاتٍ صغيرة،
وكانتِ الشمسُ تمسحُ عن الوجوهِ البريئة
بقايا أحلامِ الليل.
في أيديهمْ
كانتْ أقلامٌ ملوَّنة،
وفي عيونِهمْ
مدنٌ صغيرةٌ لا تعرفُ الحزن.
كانوا يمشونَ بخفَّةِ الطيور،
لا يحملونَ من الدنيا
إلّا قلبًا أبيضَ
وسؤالًا بريئًا:
متى يأتي المساءُ
لنسمعَ حكايةَ الأمان؟
لم يعرفوا
أنَّ بعضَ الأبوابِ
قد تُخفي وراءَها العاصفة،
وأنَّ بعضَ الجدرانِ
قد تحملُ صمتًا أثقلَ من الحجارة.
كانوا يظنونَ
أنَّ اليدَ الممتدَّةَ
خُلقتْ للعناق،
وأنَّ الحضنَ
لا يكونُ إلّا وطنًا.
يا أطفالَ الضوء...
لم تكونوا عابرينَ في هذا العالم،
بل كانتِ الرحمةُ
تمشي على الأرضِ بأقدامكم.
كنتمْ ضحكةَ الصباحِ
حينَ يتعبُ الليل،
ووردةَ الطريقِ
حينَ تكثرُ الأشواك.
لكنَّ القدرَ كتبَ صفحةً موجعة،
فخمدتْ أصواتٌ صغيرة،
وبقيَ صداها
أطولَ من العمر.
وجاءَ يومٌ...
لم تعرفِ النوافذُ كيفَ تبكي،
ولا الجدرانُ كيفَ تحملُ
ثقلَ الصمت.
جاءتِ النارُ...
لا كضيفٍ عابر،
بل كريحٍ سوداء
تبحثُ عن ضحكةٍ صغيرة
لتطفئَها.
ارتجفتِ الألعابُ في الزوايا،
وانكمشتِ الدفاترُ فوقَ الطاولات،
وبقيَ الحرفُ الأخيرُ
ينتظرُ يدًا صغيرةً
لن تعودَ لتكتبه.
وفي تلكَ اللحظة...
لم يبقَ إلّا قلبٌ واحدٌ
يحاولُ أن يحميَ قلوبًا كثيرة.
كانتِ المربِّيةُ...
لم تكنْ تحملُ جسدًا فقط،
كانتْ تحملُ وطنًا صغيرًا
يرتجفُ بينَ يديها.
دخلتْ إلى الخوفِ
ولم تحملْ لنفسِها نجاة،
بل حملتْ أرواحَ الأطفال.
قالتْ للخوف:
لن تأخذَهمْ وحدَهم.
وقالتْ للنار:
هنا قلوبٌ صغيرة
لا تعرفُ إلّا الحب.
فصارتْ من جسدِها
جدارًا أخيرًا،
ومن حضنها
وطنًا لا يسقط.
ضمَّتهم...
كما تضمُّ الأمُّ أبناءَها
في آخرِ لحظةٍ من الليل،
وأغلقتْ عينيْها
كي لا يروا الخوفَ فيها.
كانتْ تعرفُ
أنَّ بعضَ الأرواحِ
لا تُقاسُ بأعمارِها،
بل بما تمنحهُ من نور.
وحينَ صعدتِ الأرواحُ الصغيرة...
لم تكنِ السماءُ بعيدة،
كانتْ أقربَ من آخرِ شهقة،
وأوسعَ من كلِّ الأرض.
مضوا...
خفافًا كأنَّهمْ
لم يحملوا من الدنيا
إلّا أحلامَهمْ الأولى،
وتركونا أمامَ سؤالٍ لا ينام:
من يحمي النورَ
حينَ ينامُ الحُرّاس؟
وفي الصباحِ التالي...
لم يكنْ هناكَ
إلّا الصمتُ
يجلسُ بينَ الأشياء.
كانتِ الألعابُ
في أماكنِها،
كأنَّها تنتظرُ أيديَ أصحابِها،
وكانتِ الدفاترُ مفتوحةً
على أحلامٍ لم تجدْ طريقَها إلى الاكتمال.
على السبورةِ
بقيَ حرفٌ ناقص،
وفي الحقيبةِ
بقيَتْ حكايةٌ صغيرة
تبحثُ عن صوتٍ يرويها.
حتى الجدرانُ
بدتْ وكأنَّها تسأل:
كيفَ يستطيعُ اللهبُ
أن يمسَّ ضحكةَ طفل؟
لكنَّ الأرواحَ النقيَّة
لا تسكنُ تحتَ الرماد.
فالذينَ حملوا البراءةَ
إلى آخرِ الطريق،
تركوا خلفَهمْ
نورًا لا تطفئهُ السنون.
يا أطفالَ الضوء...
لم تكونوا نهايةَ الحكاية،
بل بدايتها الأخرى.
كلُّ طفلٍ يبتسمُ في هذا العالم
يحملُ شيئًا منكم،
وكلُّ عصفورٍ يحطُّ على نافذةٍ
كأنَّهُ يحملُ رسالةَ السماء:
"لا تتركوا الطفولةَ وحيدة."
ستبقى أسماؤكمْ
في ذاكرةِ القلوب،
لا كأثرٍ للحزنِ فقط،
بل كنداءٍ دائمٍ للرحمة.
أنتمْ في الدعاءِ
حينَ ترفعُ أمٌّ يديها،
وفي الدمعِ
حينَ يتذكَّرُ إنسانٌ وجعَ إنسان،
وفي اليدِ التي تمتدُّ
لتحميَ طفلًا آخر.
يا من غادرتمْ مبكرين...
علَّمتمونا أنَّ العمرَ
ليس بعددِ السنين،
بل بما يتركهُ القلبُ
من أثر.
يا أطفالَ الضوء...
حلِّقوا حيثُ لا خوفٌ يسكنُ الأرواح،
وحيثُ لا بابَ يُغلقُ في وجهِ البراءة،
ولا يدٌ صغيرةٌ
تبحثُ عن حضنٍ فلا تجدُه.
هناكَ...
تعودُ الضحكاتُ التي انكسرتْ،
وتزهرُ الألعابُ التي بقيتْ وحيدة،
وتُفتحُ النوافذُ
على صباحٍ لا يعرفُ الغياب.
لقد أخذتْكمُ الأرضُ
بوجعِها،
لكنَّ السماءَ
استقبلتْكمْ برحمتِها.
مضيتمْ صغارًا
في أعينِ البشر،
لكنَّكمْ كبارٌ
في ميزانِ الرحمة.
فاللهُ لا ينسى
دمعةَ طفل،
ولا قلبًا احتمى ببراءته،
ولا روحًا غادرتِ الحياةَ
وهي تحملُ الحب.
وإلى المربِّيةِ...
يا من صرتِ أمًّا
في لحظةٍ لا أمَّ فيها،
يا من جعلتِ من خوفِكِ
جسرًا لعبورِ الصغار...
سلامٌ عليكِ
بعددِ الأرواحِ التي احتضنتِها،
وبعددِ النبضاتِ
التي آثرتِها على نبضِك.
ستبقينَ في ذاكرةِ الإنسانِ
صورةً نادرة:
حينَ ضاقَ العالمُ...
اتَّسعَ قلبُ امرأة.
يا أطفالَنا...
لن تكونوا رمادًا،
فالرمادُ تأخذهُ الريح،
أمّا النورُ
فيسكنُ ذاكرةَ الزمن.
ستبقونَ سؤالًا في ضميرِ الحياة:
كيفَ نحفظُ البراءةَ
قبلَ أن نبكيَ عليها؟
وسنحملُ أسماءَكمْ
دعاءً في آخرِ الليل،
ونزرعُ ذكراكمْ
في قلوبِ الأحياء.
اللهمَّ اجعلْ أرواحَهمْ
في رحابِ رحمتِك،
واجعلْ مقامَهمْ
في جناتِ النعيم،
وأبدلْ خوفَهمْ أمنًا،
وحزنَهمْ فرحًا،
واجعلْ ذكراهمْ
طريقًا إلى الرحمةِ والإنسانية.
سلامٌ عليكم...
يا طيورًا لم تسقطْ،
بل ارتفعتْ.
يا آخرَ نشيدٍ للبراءة،
يا الحكايةَ التي لن يغلقَ الزمنُ كتابَها.
مرثيَّةُ الطفولةِ الأخيرة
القلبُ الموجوع
عاشور مرواني

تعليقات
إرسال تعليق