♕ الأرضُ لا تنسى طريقَ الضوء ♕ بقلم الشاعر : محمد قرموشه
الأرضُ لا تنسى طريقَ الضوء
***********************
كانَ النُّورُ يتسلَّلُ ببطء،
يعبرُ امتدادَ التِّلالِ والوديان،
يوقظُ السَّنابلَ الغافية،
ويداعبُ النَّوافذَ العتيقة،
يمزِّقُ حُجُبَ الدَّهْمَة بشغَف،
وينزعُ برِفقٍ
قيودَ الأَسْرِ عنِ المكان.
بَدا الفجرُ كبشارةِ شروقٍ أوَّل،
ووعدٍ صغيرٍ بالأَمان.
لكنَّ شيئاً لم يكنْ في الحُسْبان.
كانَ الغدرُ يتربَّصُ في الظِّلال،
يشدُّ مبارمَ التعثُّر،
ويدقُّ أوتادَ البؤسِ والخيبة،
ينصبُ خيامَهُ في الأَرجاء،
ويشقُّ الصُّفوفَ أثلاماً،
ليغرسَ في الثَّرى كيداً،
وينثرَ في الحقولِ بذارَ الخذْلان.
غيرَ أنَّ النُّورَ
لم يتعلمْ يوماً كيفَ ينكسر.
كانَ يجدُ طريقَهُ بينَ الشُّقوق،
يعبرُ الجدرانَ المهدَّمة،
ويستقرُّ في القلوب.
يسافرُ في العروق،
ويصبُّ في بحارِ اليقين.
فالأرضُ
التي تعلَّمت استقبالَ الشَّمس،
لا تنسى طريقَ الضَّوء.
ورذاذُ الشَّوقِ
على أجنحةِ النَّسيم،
يطرقُ أبوابَ الرَّجاء.
وذاكَ الجَدُّ،
الذي لم يتخلَّ يوماً عن معوَلِه،
يروي غِراسَ الزَّيتونِ
بسُلافِ جبينِهِ المتعب.
وتلكَ الأُمُّ،
التي أرضعت أبناءَها منْ أثداءِ الأَمل،
تعرفُ معنى الشُّروق.
وذاكَ الطِّفلُ،
الذي يحلمُ بمدرسةٍ آمنة،
يصعدُ أدراجَ السُّمُوِّ والارتِقاء.
أمَّا النَّافذةُ
التي كانت تستقبلُ الفجرَ في كلِّ صباح،
فما زالت تنتظرُ المطر،
كي تغسلَ عنِ الذَّاكرةِ غُبارَ الخَراب.
وأمَّا الشَّمسُ فَتَجْرُدُ
خيوطَها منْ غِمدِ الغياب،
وتنسجُ منَ الضَّوءِ ضفائرَ النَّهار.
وتصدَحُ العنادلُ بأنْشودةِ الصَّباح.
ويهبُّ النُّورُ في مراقدِ الصُّمود،
فينكسرُ صدأُ القيود.
وتبقى الأرضُ،
رغمَ كلِّ ما مرَّ عليها،
فاتحةً ذراعيها للشَّمس،
كأنَّها تعرفُ سِرّاً قديماً:
أنَّ الفجرَ قد يتأخَّر...
لكنَّهُ لا ينسى موعدَه.
****************
بقلم: محمد قرموشه
ما دامَ في الأرضِ قلبٌ يؤمنُ بالنُّور،
فإنَّ الفجرَ، وإن تأخَّرَ كثيراً،
سَيجِدُ طريقَهُ إلينا.

تعليقات
إرسال تعليق