♕ مقالة .. عندما يصبح العمل الخدمي رسالة لا بطولة فردية ♕ بقلم الكاتب : مدحت الحلفاوي

 مدحت الحلفاوي يكتب:

عندما يصبح العمل الخدمي رسالة

لا بطولة فردية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في أحد الأيام وقف رجل بسيط أمام مجموعة من العمال الذين انتهوا من إصلاح طريق يخدم أهل قريته. لم يعرف أسماءهم جميعا ولم يسأل من كان صاحب الفكرة أو من قاد العمل. اكتفى بأن قال بابتسامة صادقة "ربنا يجازيكم خير". كانت كلماته موجهة للجميع فلم يشعر أحد أنه أقل من الآخر ولم يحاول أحد أن ينسب الإنجاز لنفسه.

حينها أدركت أن الناس لا يهمهم من تصدر الصورة بقدر ما يهمهم أن تصل إليهم الخدمة. وأن أعظم الفرق هي التي يختفي أفرادها خلف نجاح العمل ويتركون الإنجاز يتحدث عنهم. فحين تتقدم المصلحة العامة على حب الظهور تولد روح الفريق ويصبح العمل الخدمي رسالة تبني الإنسان قبل أن تبني المكان.

في كل عمل خدمي ناجح يقف الناس أمام النتيجة فيشاهدون طريقا تم تمهيده أو مدرسة تم تطويرها أو قافلة وصلت إلى مستحقيها أو مشكلة وجدت طريقها إلى الحل. لكن القليل فقط من يتوقف أمام الحقيقة الأهم وهي أن وراء كل إنجاز فريقا آمن بأن النجاح لا يصنعه فرد مهما بلغت قدراته بل تصنعه مجموعة توحدت حول هدف واحد.

العمل الخدمي ليس مجالا للبحث عن الأضواء ولا ميدانا للتنافس على الظهور. إنه رسالة تحمل في جوهرها معنى العطاء. ومن يظن أنه يستطيع أن يحمل هذه الرسالة وحده سرعان ما يكتشف أن الطريق أطول من أن يقطعه بمفرده وأن الإنجازات الكبيرة لا تعرف طريقها إلا إلى فرق العمل المتماسكة.

روح الفريق لا تعني أن يعمل الجميع بالطريقة نفسها. بل تعني أن تتكامل الأدوار. فلكل فرد قدراته وخبراته ورؤيته. وحين يحترم الجميع هذه الاختلافات تتحول إلى مصدر قوة لا إلى سبب للخلاف. فهناك من يجيد التخطيط وهناك من يبدع في التنفيذ وهناك من يتقن التواصل مع الناس وهناك من يعمل في صمت بعيدا عن الأضواء. وكل هؤلاء يشكلون منظومة واحدة لا يكتمل نجاحها إلا بتكاتف الجميع.

ومن أجمل ما في العمل الخدمي أن النجاح الحقيقي لا ينسب إلى شخص بل إلى فريق. فحين يشعر كل عضو أن جهده محل تقدير وأن دوره مهما كان صغيرا له أثر في تحقيق الهدف تزداد لديه الرغبة في العطاء ويصبح النجاح دافعا لإنجاز جديد لا محطة للتفاخر.

أما حين تغيب روح الفريق ويحل محلها السعي إلى الصدارة أو احتكار القرار أو التقليل من جهود الآخرين فإن العمل يفقد روحه قبل أن يفقد نتائجه. فالخدمة العامة لا تزدهر بالأسماء الكبيرة بل بالقلوب الكبيرة التي تؤمن أن المصلحة العامة تسبق كل اعتبار.

وقد علمتنا التجارب أن المؤسسات الناجحة ليست هي التي تضم أفضل الأفراد فقط. بل هي التي تعرف كيف تحول هؤلاء الأفراد إلى فريق واحد يجمعه الاحترام والثقة والتواصل الصادق. فالثقة تخلق الانسجام والانسجام يصنع الإنجاز والإنجاز يولد ثقة المجتمع فيمن يعمل من أجله.

وفي العمل الحزبي والمجتمعي على وجه الخصوص تصبح روح الفريق ضرورة لا رفاهية. لأن المواطن لا ينتظر من القائمين على خدمته أن يتنافسوا فيما بينهم بل ينتظر منهم أن يتعاونوا من أجله. وكل دقيقة تضيع في الخلاف هي دقيقة تؤجل خدمة كان ينتظرها إنسان بسيط.

فلنجعل من العمل الجماعي ثقافة لا شعارا. ولنؤمن أن اليد الواحدة قد تبدأ العمل لكنها لا تستطيع أن تنجز كل شيء وحدها. أما الأيدي التي تتشابك بإخلاص فإنها قادرة على أن تبني وأن تعمر وأن تزرع الأمل في نفوس الناس.

فالتاريخ لا يتذكر من بحث عن المجد لنفسه بقدر ما يتذكر من صنع مع الآخرين إنجازا بقي أثره بعد أن غاب اسمه. وهنا تكمن عظمة روح الفريق. فهي لا تصنع نجاح العمل فقط. بل تصنع الإنسان القادر على أن يقدم المصلحة العامة على مصلحته الخاصة وأن يؤمن بأن أعظم الانتصارات هي تلك التي يحققها الجميع معا.

ويبقى العمل الخدمي واحدا من أنبل صور العطاء لأنه يقاس بما يتركه في حياة الناس لا بما يحققه من شهرة لأصحابه. وكلما ازداد الإخلاص وتراجعت الأنا واتسعت دائرة التعاون أصبح الإنجاز أكثر رسوخا وأبقى أثرا.

فلنجعل من روح الفريق منهجا دائما لا يرتبط بمناسبة ولا بمنصب. فالأوطان لا يبنيها فرد مهما بلغت قدراته بل تبنيها سواعد تتكاتف وقلوب تؤمن أن النجاح الحقيقي هو ذلك الذي يشارك فيه الجميع ويجني ثماره الجميع.

فحين ينجح الفريق لا يبحث الناس عن اسم من أنجز. بل يشعرون جميعا أن الوطن هو الفائز الحقيقي. وما أجمل أن يكون لكل واحد منا دور في بناء وطنه ولو بكلمة صادقة أو جهد مخلص أو خدمة تزرع الأمل في قلب مواطن.

حفظ الله مصر قيادة وشعبا وجيشا وشرطة. وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار. وجعل أبناءها دائما يدا واحدة لا تعرف إلا البناء والعمل والإخلاص.

مدحت الحلفاوي

قلم وطني لا يعرف إلا الحق ولا ينحني إلا لله ولمصر.

مدحت_الحلفاوي



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

♕ خلف الأسوار ♕ بقلم الشاعرة : إنتصار محمود

♕ لَعْنَةُ القَصِيدَةِ ♕ بقلم الشاعر : يحيى عبدالله الغزالي

♕ آه يا شعبي ♕ بقلم الشاعر : د. عباس محمد شعبان