♕ مقالة بعنوان .. وجع المسؤولية بين أب وبنت ♕ بقلم الكاتب : مدحت الحلفاوي
مدحت الحلفاوي يكتب:
وجع المسؤولية بين أب وبنت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا النص ليس مقارنة لتفضيل طرف على آخر ولا هو حكم على تجربة أكثر قسوة من الأخرى بل هو قراءة إنسانية في شكلين مختلفين من المسؤولية أب يحمل مسؤولية ابنته وبنت تحمل مسؤولية نفسها وكلاهما تحت ثقل واحد بطريقته الخاصة.
في الحياة لا يولد الناس في ظروف متشابهة ولا يسيرون في طرق متساوية.
كل إنسان يخرج إلى العالم محملا بحكاية مختلفة ويكمل طريقه كما كُتب له دون اختيار حقيقي.
في بيت بسيط كان يعيش أب مع ابنته الصغيرة.
كان منذ البداية يرى أن الحياة لا تمنح شيئا مجانا وأن عليه أن يكون السند الأول والأخير لها.
يخرج كل صباح محملا بأعباء يوم طويل ويعود محملا بما هو أكثر من التعب الجسدي.
كان ينظر إليها وهي تكبر فيشعر أن المسؤولية تكبر معه لا عنه.
لم يكن يشتكي ولم يكن يشرح لكنه كان يذوب في العمل والصبر حتى لا تشعر هي بنقص أو احتياج.
كان يؤجل راحته يوما بعد يوم ويقنع نفسه أن ما يفعله هو المعنى الحقيقي للحب.
وفي مكان آخر كانت تعيش فتاة أخرى لم تعرف معنى السند منذ طفولتها.
استيقظت على فكرة واحدة فقط أن تعتمد على نفسها في كل شيء.
كانت تمشي في الحياة وكأنها تحمل العالم على كتفيها وحدها.
تتعلم من كل سقوط وتنهض من كل خسارة وتكمل الطريق رغم أنها لا تجد من يمسك بيدها.
كانت تحلم بحياة أهدأ ومستقبل أقل قسوة لكنها كانت تصطدم دائما بواقع لا يمنحها وقتا كافيا للراحة.
ومع مرور الأيام أصبحت أكثر صلابة لكنها أقل طمأنينة وأكثر صمتا.
الأب في نموذجه كان يخاف أن تمس ابنته قسوة الحياة فيحمل عنها ما يستطيع.
والبنت في نموذجها كانت تخاف أن تتوقف فتسقط وحدها فتكمل رغم كل شيء.
كلاهما كان يعيش الخوف ذاته لكن بطريقتين مختلفتين تماما.
ومع الوقت كبرت الابنة في البيت الأول وهي لا تعرف كم تنازل والدها ليصل بها إلى ما هي عليه.
وكبر الأب وهو يشعر أن عمره يذوب في تفاصيل لم يطلبها أحد منه لكنه اختارها بنفسه.
وفي البيت الآخر كبرت الفتاة وهي تمشي بثبات صنعته التجربة لا الراحة.
لكن داخلها ظل حلم صغير يؤجل يوما بعد يوم لأنها كانت دائما مشغولة بالبقاء لا بالوصول.
وفي لحظة ما وجدت نفسها أمام طريق طويل لا يشبه ما كانت تتخيله.
توقفت كثيرا أمام ما لم يتحقق ولم تجد في يدها إلا ما بقي من قوتها.
لم تمت لكنها عاشت شعورا أشد قسوة من النهاية وهو أن بعض الأحلام لا تصل رغم كل الجهد.
الأب لم يكن يعرف شيئا عن تلك الفتاة البعيدة.
والفتاة لم تكن تعرف شيئا عن ذلك الأب الذي يحارب من أجل ابنته كل يوم.
لكن كلاهما كان يحمل المسؤولية كاملة بطريقته الخاصة دون أن يراه أحد.
وفي النهاية لم يكن هناك فائز أو خاسر.
كان هناك فقط إنسانان أنهكتهما الحياة من جهتين مختلفتين.
الأب أنهكه العطاء الصامت.
والبنت أنهكها الاعتماد الكامل على نفسها.
وكلاهما خرج من التجربة بقلب أثقل مما دخل به.
ويبقى أن المسؤولية ليست بطولة ولا هزيمة.
هي فقط اختبار طويل يكشف كم يستطيع الإنسان أن يصمد قبل أن ينهك.
ولا أحد يخرج منها كما دخل.
اللهم خفف عن كل قلب حمل فوق طاقته دون أن يطلب المساعدة.
واجعل ما مضى من تعبهم نورا وما بقي من أعمارهم رحمة وطمأنينة.
ويبقى أن الأب لم يكن أقل وجعا وهو يحمل عن غيره ولا كانت البنت أقل صبرا وهي تحمل نفسها وحدها.
كلاهما عاش طريقه بقدر ما أُتيح له وكلاهما خرج من التجربة مثقلا بما لا يقال لكنه يظل في القلب حيا.
مدحت الحلفاوي
قلم وطني.. لا يعرف إلا الحق ولا ينحني إلا لله ولمصر.
مدحت_الحلفاوي

تعليقات
إرسال تعليق