♕ تذكرت لهو الطفل ♕ بقلم محمود عبد المتجلي عبد الله

تذكرت لهو الطفل

________

يَا مُهْجَةً بَاتَتْ تُزِفُّ الذِّكْرَيَاتْ

وَتَسْمُو بِي فِي عَالَمٍ أَضْحَى مَوَاتْ

أَيْنَ العَصَافِيرُ الَّتِي كَانَتْ تُغَرِّدُ فِي الصَّبَاحْ؟

بَلْ أَيْنَ رِقَّةُ الأَزْهَارِ فِي عَبَقِ المَسَاءْ؟

بَلْ خُضْرَةُ الزَّيْتُونِ الَّتِي ظَلَّتْ كَرَمْزٍ لِلسَّلَامْ؟

بَلْ أَيْنَ حَمَامَاتٌ تُرَفْرِفُ بِالأَمَانْ؟

تَذَكَّرْتُ لَهْوَ الطِّفْلِ الَّذِي تَحْتَ الرُّكَامْ

مَا زِلْتُ أَذْكُرُ بَسْمَتَهُ.. أَضْحَتْ رغام.

وَسَحَائِبُ الرَّحَمَاتِ تَنْزِلُ مِنْ سَمَائِنَا بِامْتِنَانْ

وَالآنَ تُمْطِرُ بِالقَنَابِلِ وَالقَذَائِفِ.. لَا سَلَامْ

وَنَسَائِمُ الحَقْلِ الَّتِي كَانَتْ تُهَفْهِفُ بِالعَبِيرْ..

أَضْحَتْ دُخَانْ

وَغُبَارُ الهَدْمِ يَزْحَفُ بِالمَكَانْ

أَيْنَ ابْتِسَامَتُنَا الَّتِي كَانَتْ عَلَى كُلِّ الشِّفَاهْ؟

أَضْحَتْ كَآبَةً تَرْتَسِمُ فَوْقَ كُلِّ الجِبَاهْ

يَا أَيُّهَا المُتَحَضِّرُونَ بِاسْمِكُمْ ضَلَّ الطُّغَاةْ

وَبِعِلْمِكُمْ: سَحْقٌ وَقَتْلٌ بَلْ وَحَرْقٌ وَهَدْمٌ..

لِكُلِّ أَسْبَابِ الحَيَاةْ

سُحْقاً لِعِلْمِكُمُ الَّذِي قَتَلَ السَّلَامَ وَقَدْ نَهَاهْ

سحقا لعلمكم الذى قتل السلام وقد نهاه

_______________

شعر/محمودعبدالمتجلى عبد الله.

تحليل ونقد بناء

هذه قصيدة مؤثرة جداً، تنبض بوجع الواقع وتفيض بالمرارة والأسى على ما آلت إليه أحوال الحروب والدمار. للشاعر محمود عبد المتجلي عبد الله أسلوب يلمس القلوب مباشرة؛ لأنه اختار الحديث عن تدمير أبسط معاني الحياة والجمال.

​إليك قراءة نقدية وانطباعية تفصيلية عن القصيدة:

​1. العاطفة والصور الشعرية (بين الماضي والحاضر)

​بنى الشاعر القصيدة على تقنية المفارقة (Contrast) بين زمنين:

​زمن الماضي (الجميل والآمن): وعبر عنه بالرموز الرقيقة (العصافير، رقة الأزهار، خضرة الزيتون، حمامات الأمان، بسمة الطفل، نسائم الحقل).

​زمن الحاضر (المؤلم والمدمر): وعبر عنه بـ (الركام، القنابل والقذائف، الدخان، غبار الهدم، الكآبة).

​هذه المقارنة نجحت تماماً في شحن عاطفة القارئ، وجعلته يشعر بحجم الفقد والخراب الذي تسببه الحروب.

​2. البناء اللغوي والمفردات

​عنوان لافت: عبارة "تذكرت لهو الطفل" التي اخترتها كبداية هي مفتاح القصيدة، فالطفولة هي أنقى ما في البشرية، وربطها بالركام صدمة شعورية قوية تخدم فكرة النص.

​استخدام القوافي: الشاعر لم يلتزم بقافية موحدة صارمة (شعر تفعيلة/حر)، بل تنقل بين قوافٍ تناسب الحالة النفسية (أضحى موات، السلام، الركام، الدخان)، مما أعطى النص حرية في التعبير دون تكلّف.

​3. الصرخة الفكرية (نقد "الحضارة الزائفة")

​الخاتمة هي الأقوى في القصيدة، حيث تحول الشاعر من البكاء والتحسر إلى المواجهة والنقد اللّاذع:

​يَا أَيُّهَا المُتَحَضِّرُونَ بِاسْمِكُمْ ضَلَّ الطُّغَاةْ

وَبِعِلْمِكُمْ: سَحْقٌ وَقَتْلٌ بَلْ وَحَرْقٌ وَهَدْمٌ..

​هنا يضع الشاعر إصبعه على الجرح الإنساني؛ فالعلم والتطور اللذان كان يفترض بهما إسعاد البشرية، تحولا إلى وسائل إبادة وتدمير. وتكرار السطر الأخير (سُحْقاً لِعِلْمِكُمُ الَّذِي قَتَلَ السَّلَامَ وَقَدْ نَهَاهْ) جاء بمثابة صرخة غضب واحتجاج قوية تنهي القصيدة بنغمة حاسمة.

​خلاصة الرأي:

​قصيدة صادقة، إنسانية، تعبر عن ضمير حي يرفض الظلم والدمار. نجح الشاعر في توظيف الطبيعة والطفولة لإدانة "المدنية الزائفة" التي تقتل الإنسان. تحياتي لقلم الشاعر محمود عبد المتجلي على هذا الإحساس المرهف والكلمات النابضة



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

♕ خلف الأسوار ♕ بقلم الشاعرة : إنتصار محمود

♕ همزة ♕ بقلم الشاعر : عز العرب عروسي

♕ دَمْعٌ مُتَخَلِّدٌ بالذِّمَّة ♕ بقلم الشاعر : الشاذلي دمق