♕ قصة .. الشاب الحصان ♕ بقلم الكاتب : عبد العزيز عميمر

 الشاب الحصان :

_ يركض ويركض يسابق الريح،ويقف فجأة ويركّز حوافره في الأرض ويغرزها،ويعلو غبار كثيف يغطّيه عن الأنظار،يصهل ويرفع قائمتيه الأماميتين ويثبّت الخلفية ويرتكز عليها،ويعلو رأسه نحو السماء يقول لها: ها أنا مهما علوت وتعاليت فإنك في متناولي،متى شئت !وأينما حللت فالبراري كلها لي بوديانها ومروجها،أطويها طيا ،كصفحة كبيرة ألفّها لتصبح في قبضتي ،ويصهل مرة أخرى فتردّد الوديان صوتة


 تقول له : لبيك أنا أذن صاغية لما تأمر أوتفكر فيه، ويضرب مرة أخرى الأرض وتحتكّ حوافره بها فيلمع البرق،وكأنّه يقول للبشرية أنا مكتشف النار،والفكرة نبعت من قوّتي قبل فكركم ، ويسود هدوء وسكينة ويحط رأسه ويشرع في الأكل ،برسيم ونباتات غضّة أينعت لتكون هديّة حصاني البنّي ،يعرفني ويفهم لغة الجسد ،أتكلّم معه ،يفهم ما اقول حينما أردف كلامي بالإشارات والحركات ،ذكيّ يربط بين الكلمة والإشارة،وأحيانا أعزل الإشارة عن الكلمة فيفهم وأحيانا أعزل الكلمة وأبقي الإشارة فيفهم ويؤدّي الحركة بنباهة ،واتحسّس جيبي وأخرج قطعة السكّر وأضعها في فمه فأحس بسعادته ويشكرني حينما يتحكّك برأسه على كتفي وأردّ عليه بأن أضرب برفق على عنقه فيرفع رأسه عاليا ويصهل جذلا مبتهجا ، في تيه وكبرياء .


إنه حصاني الذي يحبّني فلا يعرف الحقد ، ولا الكراهية،فكلما أدنو منه ، يذوب عطفا ورقة،ويعاملني معاملة القلب الذي يتدفق حبا وشوقا لحصان لا يعرف إلا الحب ، الذي ينقص عند البشر ،ولايعرفون الصداقة مثله ،ولا الوفاء ولا رد الجميل ،إنهم عبيد نزواتهم ،يميلون ميل المصلحة واتجاه اللذة، فيخوصون بحرا من الدماء إذا لمع من ورائه دينار، أمّا حصاني فلا يعرف إلا حفنة شعير أو قبضة عشب ،ومسحة يد دافئة على جسمه.    

 

كبر الشاب مع الحصان الذي كان مهرا صغيرا كأنه ريم الفلاة ، فقط بدون قرون ،كان يلعب والفتى يلعب معه، فاكتسب كل واحد حبّ الآخر وثقته ولم يفرٌق بينهما إلا المبيت،وأصبح المهر الصغير حصانا وتحول الفتى بدوره إلى شاب قوي يافع ،يتمتع بصحة جيدة ،وعندما يعتزم الخروج، يضع السّرج ،المصنوع من الجلد، وهو بلون قرنفلي،مطرز بخيوط ذهبية،وبأنامل فنان عبقري ،فكان السرج آية في الجمال والذوق الفني،ويحزمه جيّدا ،ويلجم حصانه ،ويمتطيه، يسارع الريح ،يشعر أنه يدفع كومة السحاب فتتدحرج أمامه،مثل كومة قطن ناصع البياض،إنه يطير،يسبح،لايشعر بزحزحة أو اندفاع،لكنه انسياب،أما الأشجار فيراوغها ويتحايل عليها ويتموج بينها ولا يصطدم أبدا بفروعها وأغصانها ،التي ألفته،فكانت تفسح له الفضاء بانحنائها تارة،وبميلها،وكان كذلك لمهارة ومرونة حصانه،وجسمه المطاطي الذي ينساب تارة وينقبض تارة أخرى،تزامنا مع السرعة وتماهيا مع تضاريس الأرض، وليقظته، وحذره،عندما يكون فوق حصانه يشعر بكبرياء وعزّة نفس،فهو ينظر إلى الناس من فوق، نظرة مراقبة وتفرس،أما الناس فيتوسّلون لرفع عيونهم له تذللا، لسلطان يرفع دائما رأسه ،محافظة على التاج وجواهره النفيسة. 

 

عندما يسأل عن صحته يقول انظروا إلى حصاني فالنبأ عنده ،كان الشاب أحيانا يقلق ولاينام، ويصاب بهواجس وبفوبيا الخوف،ويتشاءم ،وتسيطر عليه الظنون ،وتجثم على صدره الكوابيس، عندما يوجه لنفسه هذا السؤال هل يكبر حصاني ! ويهرم !وتصيبه الشيخوخة ! مثل البشر فمن يحمل الآخر ! وأنا اعتمد عليه فهو مركبي وعربتي وركبتي التي أعتمد عليها وعصاي !أحقيقة يكبر مثل البشر وربما! وربما ،،،لا اقدر أن أصرح بها أيمكن أن : ي. م.و.ت ! ماذا قلت أعد يموت !،يموت ! مستحيل ! ،،مستحيل! يالها من أفكار شيطانية ! وينهض في الظلام الدامس ، يتحسّس الطريق ليتفقّد حصانه ، ورجلاه تتخبطان في الظلام، كان يتخيل حصانه ممدودا على الأرض وهو مغمض العينين! أيحصل هذا لحصاني ويتركني، إنه فخري واعتزازي ورجولتي ،يقرّب لي المسافات ،ويجعلني اعيش في السماء أعانق الريح تضرب صدري فأضمّها إلي،وأنا اغني أغاني الرعاة والطبيعة وخرير المياه،فإذا غاب عني تغيب الحياة وتتحجب الشمس وتجفّ العيون والسواقي .


يرجع لنفسه ويستفيق من تشاؤمه،ويرى حصانه آه إنه هنا كالطود الأشم شامخ الأذنين، الحمد لله،الحمد لله،مازال واقفا، نظر الحصان إليه وحمحم ،وأومأ برأسه كأنه يقول:


 ألم تنم بعد ! إنها ساعة متأخرّة من الليل ،أخفت عليّ !! يظهر ذلك في رعشة ملامحك،وعيونك المسمّرة،والممغنطة صوبي حتى رموشك تكلّست وغابت رفرفتها .                            

نعم كثيرا ما يمزج القلق مع الحب، فالقلق جوزة في لبّها ينبت الحبٌ ،وكلّما أحببنا أكثر زاد القلق أكثر تباعا،فلهفتنا على الشيئ، تجعل وجداننا يصوّره في إدراكنا الحسّي وتثبّته بؤرة انتباهنا ، فيبقى معلقا ،يتأرجح،دقات ساعة، وعيوننا تميل يمينا ! ويسارا ! تحاكي وتتماهى مع بندول الساعة، وهو كذلك فاكهة ممنوعة من القطف فهي أبدية ،فإذا قطفت ،نزع الفؤاد بدمه وخلاياه ،وتكسرت المرآة ،التي ضخت الحياة.   


                عبدالعزيز عميمر من الجزائر



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

♕ خلف الأسوار ♕ بقلم الشاعرة : إنتصار محمود

♕ دَمْعٌ مُتَخَلِّدٌ بالذِّمَّة ♕ بقلم الشاعر : الشاذلي دمق

♕ همزة ♕ بقلم الشاعر : عز العرب عروسي