♕ قصة .. همسات مظلمة في أقبية معتمة & الحلقة السادسة ♕ بقلم الكاتب : نصوح عادل محاميد
✍️.. همسات مظلمة في أقبية معتمة.
الحلقة السادسة:
بعنوان:
💫 برقية الموت… وامتحان الأقبية 💫
في دهاليز العتمة، حيث تختنق الأصوات ولا يُسمع إلا أنين القلوب، وحيث تُمحى الأسماء وتُستبدل بأرقامٍ صمّاء، يولد الحرف باكيًا… كأنه شاهدٌ على ظلمٍ تعجز الكلمات عن احتوائه.
هناك، حيث يظنّ الطغاة أن الكرامة تُكسر وتُشترى، ارتفعت أرواح شابين من أطهر شباب الأرض… أولاد عمي وأشقاء زوجتي، رحمهم الله وأسكنهم فسيح جناته.
لم يحملوا سلاحًا سوى الحق، ولم يعرفوا عهدًا إلا للأرض. دافعوا عن بيوتهم وكرامتهم، فكان جزاؤهم أن يُساقوا إلى ما سُمّي زورًا بـ"محكمة الإرهاب"… وكأن الدفاع عن البيت صار جريمة.
ثم جاء الخبر…
خبرٌ لم يكن كغيره، بل كان كالسيف حين يغرس في القلب دون إنذار:
نالوا الشهادة تحت سياط التعذيب.
تحوّلت أجسادهم الطاهرة إلى دموعٍ تسقي تراب الوطن… كما فعل آلاف الشهداء الذين كتبوا بدمائهم معنى الحرية.
«"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون" [آل عمران:169]»
منذ تلك اللحظة، غابت الشمس عن بيتنا، وكأن الورد قُطف قبل أوانه، وترك خلفه فراغًا لا يُملأ.
كل زاوية في البيت كانت تنطق بهم… وكل ضحكةٍ قديمة صارت وجعًا جديدًا.
زوجتي، التي أثقلها الفقد، صارت عيناها بحرًا لا يهدأ، وصوتها همسًا مكسورًا. لم تكن تبكي فقط… بل كانت تنهار بصمت، كأن روحها تتآكل مع كل ذكرى.
حتى الجدران… كانت صامتة، لكنها تبكي.
لكن المأساة لم تتوقف عند هذا الحد.
فما كادت دموعنا تجف، حتى تلقّينا الطعنة الأكبر…
في دائرة النفوس، وبينما كنا نبحث عن أوراق تثبت أننا ما زلنا أحياء، انكشفت الحقيقة المرعبة: كنا مُدرجين على قائمة الموت.
ضمن برقية سرية من جهة أمنية … تأمر باعتقال زوجتي وجميع إخوتها فور مراجعتهم.
في تلك اللحظة، لم يعد الوطن وطنًا… بل صار فخًا، ولم يعد البيت مأوى… بل صار زنزانة تنتظر دورها.
وبين هذا الظلام، أرسل الله لنا نورًا خافتًا… رجلًا من أهل الحق، مدير النفوس آنذاك. اقترب مني بهدوء، وقال بصوتٍ منخفض:
انتبه… أخرجوا فورًا… هناك من ينتظركم.
كانت جملة قصيرة… لكنها أنقذت حياة.
خرجنا، لكننا لم ننجُ من الداخل.
كانت الصدمة على زوجتي أقسى من القيود، وكأن روحها سُحبت منها فجأة.
وفي داخلي، كان سؤالٌ ينهشني، كأنه بداية امتحانٍ جديد من امتحانات الأقبية:
كيف كانت علاقتك بأشقاء زوجتك؟
سؤالٌ يبدو بسيطًا… لكنه في عالمهم تهمة.
كأن المحبة جريمة، والوفاء ذنب، والقربى دليل إدانة.
«"وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد" [البروج:8]»
هكذا تحوّلت حياتنا إلى اختبارٍ دائم، بين صبرٍ يتآكل، وخوفٍ يتضخم، وذكرياتٍ لا ترحم.
فقدنا شابين في ربيع العمر… وردتين من جنانٍ لا تذبل.
وبقي بيتٌ صغير… محاصر بالخوف، ومطوّق ببرقيات الموت.
خرجت يومها، أجرّ ظلي خلفي مثقلًا بما لا يُحمل، وأتمتم دعاءً يختلط بالدمع:
«"ربنا أفرغ علينا صبرًا وتوفنا مسلمين" [الأعراف:126]»
ورغم كل شيء، بقي صوتهم في داخلي…
همسٌ لا يخبو، ونورٌ لا ينطفئ.
فالورد قد يُسحق… لكنه لا يموت.
يبقى عطرًا يطارد جلاديه… حتى آخر نفس.
وفي الحلقة القادمة :
حين يقترب الموعد، لا يعود الخوف فكرة… بل يصبح حقيقةً تتنفس في كل زاوية.
الخميس يزحف بثقله… والجمعة تحمل ما لم يكن في الحسبان.
💫 خميس الظلال ... وجمعة الإعتقال 💫
✍️... بقلمي،،،
الأديب د.المهندس: نصوح عادل محاميد.
السويد"3/5/2026"

تعليقات
إرسال تعليق