♕ همسات مظلمة في أقبية معتمة & الكلمة التي أغضبت الجلاد ♕ بقلم الكاتب : د. نصوح عادل محاميد
✍️...همسات مظلمة في أقبية معتمة.
حلقة استثنائية بعنوان :
💫 الكلمة التي أغضبت الجلاد 💫
ليست كل الحلقات تُقرأ بوصفها حكايةً مضت، فبعضها يُقرأ كأثرٍ ما يزال ينبض بين الخوف والقرار، بين الصمت والكلمة، وبين ما يُفرض على الإنسان وما يختار أن يقوله رغم كل ما يحيط به.
وهذه الحلقة تحديداً لا تأتي كامتدادٍ عادي في سلسلة “همسات معتمة في أقبية مظلمة”، بل كعلامة انعطاف حقيقية في مسارها… نقطة يتقاطع فيها الماضي مع مصيرٍ لم يكن واضحاً بعد، ويبدأ فيها الظل بالانحسار ولو ببطء.
وقد تأخر نشرها قليلاً عن موعدها المعتاد، بسبب أيام عيد الأضحى المبارك، تلك الأيام التي مرّت كسكينةٍ عابرة أعادت ترتيب الذاكرة، وأجلت هذا السرد لحين استئناف نبضه من جديد.
ولهذا فإنها حلقة استثنائية بكل معنى الكلمة؛ ليست لأنها تحكي حدثاً مختلفاً، بل لأنها تكشف اللحظة التي يتغير فيها معنى الحدث نفسه… حين تتحول “الكلمة” إلى قدر.
إنها الجسر الذي يعبر بالقارئ من زمن الضغط والظل، إلى زمنٍ يبدأ فيه الضوء بالتسلل بصمت… من الهمس في الأقبية المعتمة، إلى نسيم الحرية الذي لم يكن بعدُ قد اكتمل، لكنه بدأ يُحَسّ.
إنها ليست نهاية مرحلة…
بل بداية إدراك أن لكل كلمة ثمنها، ولكل صمت حدّه، ولكل “لا” أثرٌ لا يُمحى.
هناك كلمات لا تموت بعد أن تُقال، بل تبدأ حياتها الحقيقية من لحظة خروجها، كأنها تُختبر بين الخوف والصمت وسلطةٍ تحاول أن تصنع للحياة شكلاً واحداً لا يتغير.
وفي ميزان هذا العالم، لا يكون الظلم حادثةً عابرة، بل حالةً تتكرر بأشكال مختلفة. وقد قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42].
في مدينة درعا، حيث كان الخوف جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، لم تكن القرارات تُناقش بل تُفرض، ولم يكن الاعتراض خياراً سهلاً، بل مخاطرة مفتوحة على كل الاحتمالات.
في ذلك السياق، لم يكن حضور رئيس مفرزة الأمن الجوي في المجمع الحكومي مجرد وظيفة، بل كان جزءاً من منظومةٍ تُدار بها حياة الناس تحت سلطةٍ لا تُناقش.
لم تكن القضية في ظاهرها سوى شقة داخل منزل، لكنها في عمقها كانت اختباراً لمعنى الكرامة، وحدود ما يمكن أن يُنتزع من الإنسان باسم القوة.
جاء الطلب محمّلاً بثقلٍ غير مكتوب على الورق، لكنه مفهوم دون شرح: تخصيص إحدى الشقق لإسكان أحد العناصر.
لم يكن طلباً يُناقش… بل قراراً يُفترض أن يُنفّذ بصمت.
في تلك اللحظة، كان الصراع بين الخوف والكرامة قد بلغ ذروته؛ خوفٌ من القادم، من المجهول، ومن تبعات الرفض، وفي الجهة الأخرى شيءٌ أعمق من الخوف… يقينٌ داخلي بأن الإنسان إذا فقد قدرته على الرفض، فقد جزءاً من ذاته.
رفعت رأسي، ونطقت بكلمة واحدة:
"لا."
لم تكن الكلمة طويلة… لكنها كانت كافية لتُسقط كل التوازنات في لحظة واحدة.
ساد صمتٌ كثيف، كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة. نظراتٌ متبادلة حاولت تفسير ما حدث، وكأن هذا الحرف لم يكن ينبغي له أن يُقال أصلاً.
في ذلك الزمن، لم تكن “لا” مجرد رفض، بل كانت خروجاً عن قاعدةٍ غير مكتوبة… يعرفها الجميع دون أن تُقال.
وغادرت المكان، وأنا أعلم أن ما بعد الكلمة ليس كما قبلها أبداً.
لم تمضِ أيام حتى بدأ الرد يتشكل، لا بصوتٍ مباشر، بل عبر إجراءات بطيئة محسوبة… أشبه بعقوبة تُمارس دون إعلان.
صودرت سيارتي دون مسوّغ، وبدأت تقارير تُكتب في الظل، تصنع واقعاً موازياً للحقيقة.
ثم وصلتني لاحقاً نسخة من تقريرٍ كُتب في العتمة، ورفع إلى الجهة الأمنية ذاتها التي كانت تمسك بخيوط تلك المرحلة.
لم يكن مجرد ورق… بل نموذجاً كاملاً لكيف تُصنع الاتهامات حين يتحول الظن إلى “معلومة”، والخيال إلى ملف، والاحتمال إلى قرار.
كان يحمل بصمات الخوف أكثر مما يحمل بصمات الحقيقة، ويكشف كيف يمكن للظل أن يتحول إلى سلطة.
ولست هنا بصدد ذكر الأسماء، فبعض التفاصيل يتركها الزمن لضمير التاريخ، لا لمحاكم اللحظة.
لكن المؤكد أن تلك الأوراق كانت جزءاً من منظومة تُكتب فيها التقارير كما تُصنع الظلال: بلا نور، وبلا مساءلة، وبقدرة على تغيير مصائر الناس.
ومع مرور الوقت، تحولت الحكاية إلى اتهاماتٍ ثقيلة لا تمت إلى المنطق بصلة.
قيل إن هناك مخططاً يُحاك في أحد المخابز، وإنني متورط في روايات لا يمكن لعقل أن يصدقها، لكنها كانت كافية لتبرير ما يُراد تنفيذه.
وفي سياق آخر، أُلصقت بي رواية تتعلق بإحدى شقق المنزل، وبشخصٍ من أبناء المدينة لجأ إليها في ظروف الحرب.
أما الحقيقة، كما عشتها، فكانت أبسط من كل ذلك… وأكثر إنسانية من أن تُختزل في ملف اتهام.
ذلك الشاب كان واحداً من أبناء درعا الذين اختاروا طريقاً صعباً في زمنٍ أشد صعوبة، وقد انتهت حياته لاحقاً في إحدى معارك حوران.
لم يكن وجوده في البيت جريمةً في ضميري، بل كان موقفاً إنسانياً في زمن اختلطت فيه المفاهيم تحت ضغط الخوف والحرب.
ومع تصاعد الضغط، لم يعد الاستهداف فردياً، بل أصبح محيطاً كاملاً من المراقبة الصامتة؛ عيون تتابع، أخبار تُنقل، وصمتٌ يلفّ المكان كجدارٍ غير مرئي.
وكان كثير من الناس يختارون الصمت، لا اقتناعاً، بل خوفاً من دائرةٍ لا يعرف أحد أين تبدأ ولا أين تنتهي.
ثم جاءت اللحظة التي لا تُنسى…
تجربة الاعتقال.
هناك، في الأماكن التي يُنتزع منها الضوء، يتغير معنى الزمن بالكامل. لا ساعات تُقاس، ولا أيام تُفهم، بل زمنٌ ثقيل يتشكل من الصمت والانتظار والاختبار.
في تلك العتمة، لم يكن الألم جسداً فقط، بل كان فكرة… وصراعاً داخلياً بين ما يمكن أن يُسلب من الإنسان، وما يبقى عصياً على المصادرة.
ومع ذلك، بقي شيء واحد خارج كل ذلك:
الإيمان بأن الظلم، مهما امتد، لا يتحول إلى قدرٍ أبدي.
وقد قال الله تعالى:
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227].
وفي لحظات الاعتقال، كان هذا المعنى هو ما يمنح الصمت قدرةً على الاحتمال، وما يمنح الإنسان سبباً للبقاء واقفاً في داخله رغم كل ما يُراد له أن ينكسر.
وفي النهاية، حين أعود إلى تلك اللحظة الأولى، لا أراها مجرد خلافٍ على شقة، بل أراها لحظة فاصلة بين زمنين:
زمنٍ يُطلب فيه من الإنسان أن يصمت…
وزمنٍ يكتشف فيه أن صوته، مهما كان منخفضاً، قادرٌ على تغيير معنى المشهد كله.
ولعل ما يبقى في النهاية ليس الأسماء، ولا التقارير، ولا التفاصيل… بل تلك الكلمة الوحيدة التي خرجت في وجه الخوف:
"لا."
كلمة قصيرة… لكنها كانت كافية لتقول إن الإنسان، مهما اشتد عليه الظلم، لا يُختصر، ولا يُمحى، ما دام قادراً على أن يختار موقفه.
✍️... بقلمي،،،
الأديب د. المهندس الاستشاري: نصوح عادل محاميد
السويد – 31/5/2026

تعليقات
إرسال تعليق