♕ همسات مظلمة في أقبية معتمة & الحلقة الثالثة ♕ بقلم الكاتب : نصوح عادل محاميد
✍️ ...( همسات مظلمة في أقبية معتمة).
الحلقة الثالثة:
بعنوان:
💫 الرحيل على صمت البحر 💫
كانت الليالي تطول في مدينتي كما لو أنها أرادت أن تمحو ضوء الشمس من الوجود.
بعد عودة ابني، بقيت خفافيش الليل تطل من زوايا المدينة، تهمس بالوشايات، وتنثر السموم بين الناس.
أما ذكريات الأقبية… فقد تحولت إلى ظل ثقيل يلاحقنا في كل لحظة.
كل جدارٍ مظلم، كل باب حديدي، كل صدى صرخة… كانت تنبض في قلبي وكأنها لم تغادرني أبدًا، تؤثر على نفسي، وتشتت تركيزي، وتزرع الخوف في البيت وفي عيون أبنائي.
أحمد وقصي وعبد الرحمن كانوا يعرفون شيئًا واحدًا بوضوح: لا يمكننا البقاء هنا.
لم يعد البيت مأمونًا، لم يعد القلب مطمئنًا، ولم يعد البقاء بين جدران المدينة التي ارتعشت فيها صرخات قصي ممكنًا.
عبد الرحمن، ابن التسع سنوات، كان يمسك يديّ في كل مرة يطلب مني الرحيل لانه خائف يحدث معه كما حدث مع أخيه ، عينيه تتسع خوفًا وفضولًا، يردد ما يسمع من إخيه لحظات الألم والقسوة والذل، لكن البراءة في قلبه كانت تهتز مع كل خطوة له مع كل كلمة يبوح بها.
أحمد، الطالب المتهالك من ثقل الدراسة والخوف، نظر باتجاهي بعينين ممتلئتين بالدموع التي يحاول كبتها، فيما قصي يحدق بي بصمتٍ طويل، كما لو كان يعرف أن كل خطوة إلى الخارج هي خطوة نحو نفق طويل من القلق والحنين.
كنت مضطرًا أن أكون متماسكًا رغم رعب الليل ، على الرغم من ثقل ذكريات الأقبية التي تعود إليّ في كل لحظة، وضغط خفافيش الليل التي لم تتركني، ومسؤولية عملي كمدير فرع المخابز بمحافظة درعا، مدينتي الجميلة بطبيعتها وكرم وسخاء أهلها ، كنت مضطرًا أن أكون الأب الذي يحمي صغاره.
كل لحظة كانت تقتلني: أحلامهم تتطاير، وقلبي يتكسر، وعيوني تلتقط آخر خيوط الأمان التي تبقى لهم.
خفافيش الليل لم تختفِ، بل كانت كالظل الذي يلاحقنا. تسللت إلى أذني من جديد، تهمس بأن كل خطوة تخطط بها من أجل هروب أولادك ستُراقب، وأن أي زفرة فرح قد تتحول إلى مأساة جديدة.
وفي ساعة متأخرة، عندما بدأوا الثلاثة في التحرك نحو الميناء، كان البحر يبدو كالمرآة السوداء التي تعكس خوفهم وهواجسي معًا. صوت الأم وصراخ إخوتهم في البيت ظل يتردد في رأسهم: عودوا… ابقوا… لا تفعلوا ذلك… لكنه كان صوتًا بلا قدرة على الإمساك بهم.
كنت هناك، أراقبهم بصمت، أحاول أن أخفي دموعي، وأصلي لله أن يحفظهم من أمواج البحر ومن وحشية الليل وذكريات الأقبية.
وقفت على شاطئ الزمن الممزق، أراقب أعز ما أملك يختفي بين أمواج البحر الباردة، بعيدًا عن الوطن، بعيدًا عن الأب والأم هذا الأب الذي لم يعد قادرًا على حمايتهم كما كان.
ثلاثة وجوه، ثلاثة أحلام، ثلاثة قلوب تخاف قبل أن تتجرأ على الرحيل.
لم يكن وداعهم مجرد لحظة، بل كان صرخة صامتة تنكسر في صدري، دمعة تتساقط على كل ذكرى لم يعد الوطن قادرًا على حمايتها أيضاً.
اعتقال ابني في سجون النظام البائد ترك فجوة عميقة في الروح، وها نحن الآن، نودع الباقين، نتركهم للمجهول، نحمل قلوبهم بين أمواج لا ترحم.
كم تمنيت لو أن البحر لم يكن حاجزًا بيننا، ولو أن العالم أصبح مكانًا آمنًا لكم، ولو أن الزمن أوقف خطواتكم للحظة لأحميكم من كل سوء. لكنكم، يا أحبابي، تحملون شجاعة الرحيل رغم الألم، وتحملون الأمل في عيونكم الصغيرة التي تحمل أكبر الحكايات.
وداعكم ليس مجرد وداع، بل
فجيعة تتسلل إلى جسدي، دمعة لا تنتهي، وألم لا يعرف توقفًا.
وعندما غاصوا في القارب الصغير، لم يكن البحر سوى لوحة سوداء، والأفق بعيد، والمدينة خلفهم تغرق في الظلال… لكن شيئًا بدا لي أن هذه الرحلة لن تكون مجرد سفر، بل اختبار لقلوبنا جميعًا.
والتي ستحمل أخباره الحلقة الرابعة.
بعنوان:
💫( صمت البحر وصرخة الأمن )💫
✍️...بقلمي،،،
الأديب د.المهندس : نصوح عادل محاميد .
السويد"30/4/2026"

تعليقات
إرسال تعليق