♕ تعلّمتُ من زوجي & الفصل العاشر ♕ بقلم الكاتبة : بيسان مرعي
كتاب《تعلّمتُ من زوجي》
الفصل العاشر
« تَعَلَّمْتُ مِنْ زَوْجِي أَنَّ الدَّعْوَةَ عَطَاءٌ، وَأَنَّ القُرْآنَ حَيَاةٌ، وَأَنَّ الرِّفْقَ أَعْلَى مَرَاتِبِ الشَّرَاكَةِ»
تعلَّمتُ من زوجي أنَّ الدعوةَ إلى الله ليست منبرًا فحسب، ولا كلماتٍ تُقال، بل روحًا تُزرع، وخطوةً تُؤخذ باليد قبل اللسان.
كان يرى في داخلي قابليةً للعطاء الدعوي أكثر مما أراها أنا في نفسي، ويؤمن أنَّ كلَّ علمٍ وهبه الله للإنسان أمانةٌ ورسالة، وأنَّ كتمانه خسارة، وأنَّ بذله عبادة.
لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿اُدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً».
شعر كم أنا عاشقةٌ للعلم الشرعي وتبليغه، وأحسَّ بأنني أحتاج أن أكون في حقل الدعوة إلى الله تعالى، أحتاجه كما يحتاج الظمآن إلى الماء، وأنني حين أُبلِّغ الناس فإنَّ روحي تزهر قبل أرواحهم.
لذا، لم يدفعني إلى العمل الدعوي دفعًا، ولم يُثقلني بتكليف، بل كان يأخذ بيدي برفق، يفتح لي الأبواب، ويشير إلى الطريق ليعينني على سلوكه، ويتركني أختار السرعة التي تناسبني.
كان يقول لي: إنَّ الدعوة لا تحتاج فراغًا كاملًا، بل قلبًا حاضرًا، ونيّةً خالصةً لله تعالى، وهمّةً وعزيمةً وإرادةً لا تفتر، وإنَّ الله يبارك في القليل إذا صدق.
ومع ضيق الوقت، وضغط العمل الوظيفي، والقيام بالواجبات المنزلية والعائلية، وتزاحم المسؤوليات، ثم بعد ذلك الظروف المرضية والصحية الصعبة، كنتُ أتعثر أحيانًا، وأشعر بالتقصير،
لكنه لم يكن يومًا سببًا في هذا الشعور، بل كان يطبطب ويعين، ويحفّز ويشجّع، بل ويحاول إذابة العثرات والظروف القاسية لأستمر، فكان الملجأ حين تجتاحني عواصف التفكير مع كثرة الأعمال والواجبات.
كان يشجّعني على أن أكون أكثر عطاءً في الدعوة إلى الله، دون أن أُرهق نفسي أو أُقصي واجباتي الأخرى، وكأنه يعلّمني التوازن دون أن ينطق بالكلمة، فكان يفتح أمامي كل الأبواب التي تؤدي إلى رضى الله تعالى، ويمهّد ويعبّد كل الطرق المؤدية إلى القرب من الله سبحانه وتعالى.
كان يتحلّى بالإيثار في سبيل الدعوة، فلقد بلغ من مراعاته ودعمه لي أنه كان يقدّم مصلحة الدعوة على راحته الشخصية.
أذكر مرارًا حين كنتُ أُدعى لإلقاء محاضرة أو درس ديني، وكان الموعد يتزامن أحيانًا مع وقت الغداء، فكنتُ أُهمّ بالاعتذار رعايةً لحقه وقيامًا بواجبي، لكنه كان يرفض اعتذاري بشدة، ويقول: «اذهبي، هذا وقتكِ وهذا عملكِ».
كان يغبطني على هذا الأثر، ويؤجّل موعد غدائه إلى وقت العشاء بكل طيب خاطر، لكي لا أُحرم من فضل تبليغ دعوة الله.
وتعلّمتُ منه أنَّ القرآن ليس مشروعًا مؤجّلًا، ولا كتابًا يُحفظ وحسب، بل رفيق طريق، ومنهج حياة، ومؤنسًا يوم ينفضّ عنك الناس فتبقى وحيدًا في القبر.
وأما رحلتي مع القرآن، فقد كان هو سياجها وحارسها، ولا زلتُ أذكر تلك اللحظات الدافئة قبل ذهابي إلى « الْمُقْرِئَةِ »، حين كنتُ أجلس أمامه ليسمع لي ما حفظت.
كانت تلاوتي على مسامعه هي الزاد الذي يدفعني إلى الإتقان، وكان حلمه الأكبر أن يراني «حافظةً لكتابِ الله».
كان يشجّعني على حفظ كتاب الله، لا على سبيل الإنجاز، بل على سبيل القرب.
كان يفرح بكل جزءٍ أنهيه حفظًا فرحًا صادقًا، وكأنَّ الآيات حُفظت في صدره وقلبه هو.
كان يرى في كل خطوة أقطعها نحو القرآن اقترابًا من الله تعالى، واقترابًا من ذاتي.
وكان حلمه كما حلمي أن أُتمّ حفظ القرآن كاملًا، ذلك الحلم الذي ما مللتُ منه يومًا، والذي يبقى في دعائي.
حلمٌ كان يردّده بحب، ويغذّيه بالتشجيع، ويزرعه في قلبي يقينًا.
بفضل ذلك التحفيز، وبتشجيعه بدأتُ طريق الحفظ، وكنتُ أستشعر نور القرآن على حياتنا، ومع كل جزء كنتُ أحفظه كنتُ أشعر بشيء في قلبي لا أستطيع تفسيره، وكنتُ أشعر بنفس الشيء في قلبه، حتى أتممتُ حفظ ما يقارب خمسة عشر جزءًا من كتاب الله.
ثم جاءت ظروف المرض والتعب الصحي، فحال الجسد دون أن يُكمل القلب الطريق.
ولم يكن موقفه عتابًا ولا ضغطًا، بل تفهّمًا ورحمةً وعطفًا.
كان يعلم أنَّ الله لا يكلّف نفسًا إلا وسعها، وأنَّ النيّة الصادقة لا تضيع، وأنَّ ما حُفظ لم يُمحَ، وما تعذّر اليوم قد يُكتب أجره بنيّته.
ورغم أنَّ الظروف الصحية والمرض حالت دون إتمام الختمة، إلا أنَّ صوته وهو يشجّعني لا يزال يتردّد في أعماقي، وصورته وهو يفرح بكل جزء أنجزته تظلّ أعظم وسامٍ حصلتُ عليه.
فتعلّمتُ من زوجي أنَّ الرفق ليس ضعفًا، بل فقهًا وعبادة…
لقد كان زوجي نموذجًا في رُقيّ التعامل وعمق التفهُّم، ففي الوقت الذي كان فيه عملي الوظيفي يستهلك طاقتي، ويستنزف من وقتي وجهدي، سواء في الدوام اليومي أو فيما يترتّب عليه أحيانًا من تقصير غير مقصود في شؤون البيت، لم أسمع منه يومًا كلمة تذمّر.
كان يرى تعبي فيقدّره، ويلمس جهدي فيعذرني عن أي تقصير منزلي عارض.
لم يكن يُثقل عليّ بطلباته، ولم يجعل من التعب ساحة عتاب، ولا من التقصير ذريعة تذمّر.
كان يعينني، ويخفّف عني، ويملأ الفراغات بصبره وحكمته وحبّه لكل عمل يقرّبنا إلى الله تعالى، وكأنّه يقول لي بالفعل قبل القول: أنا معكِ، لا عليكِ، وأعظم الدروب تلك التي توصلنا إلى الله تعالى وإلى جنّة الله تعالى.
وعلى الرغم من رغبته القوية في أن أترك الوظيفة — لا تسلّطًا ولا تحكّمًا، بل حبًّا ورأفةً بي وحرصًا على راحتي — إلّا أنّه لم يفرض عليّ ذلك أبدًا.
ترك لي الخيار كاملًا، وأسند إليّ القرار، واحترم اختياري، وجعلني أشعر أنّني شريكة لا تابعة، وأنّ اختياري وقراري محفوظ مهما كان.
وظلّ خير معين وسند، لا يُثقل كاهلي بالطلبات، مؤثرًا راحتي على رغبته، ومقدّرًا لذاتي.
علّمني أنّ الرجل الحقيقي لا يُنقص من المرأة ليطمئن، ولا يقيّدها ليحافظ عليها، بل يُسندها حتى لا تسقط ولا تتعثّر.
يأخذ بيدها حين تنفضّ من حولها الأيدي، ويسمعها حين تصمّ الآذان عنها، وينهض بها إذا تعثّرت، لتبقى واقفة شامخة كالنخيل.
يداويها من الجراح إن ألمّت بها، ويحارب جيوش الحزن حين تجتاحها، ويمسح دمعها إن خدش جفنها، وإن حلّ ظلام القهر كان هو شمسها.
تعلّمت من زوجي أنّ الدعوة تُثمر حين تُزرع بالحبّ والإخلاص لله تعالى، وأنّ القرآن يُحفَظ حين يُقرن بالرحمة والفهم والتدبّر، وأنّ الشراكة الحقّة بين الزوجين هي التي تراعي الضعف قبل أن تطلب الكمال.
وتعلّمت أنّ بعض الناس يرحلون، لكنّهم يتركون في أرواحنا منهجًا نعيش به، وطريقًا نمشيه، وأثرًا نهتدي به، ودعاءً لا ينقطع.
تعلّمت من زوجي أنّ الحبّ سند ورفعة؛ لأنّ وجوده في حياتي كان أبعد من مجرّد زوج، كان المربّي، والملهم، والمعلّم، واليد التي تمتدّ إليّ كلّما تراخت عزيمتي.
تعلّمت منه أنّ الحبّ الحقيقي ليس كلمات تُقال، بل هو دفع نحو الخير، وصبر على المشاقّ، ورؤية ثاقبة لمستقبل شريك الحياة في الدنيا والآخرة.
لم يكن ينظر إلى شهادتي الجامعية في «الدراسات الإسلامية» على أنّها مجرّد ورقة أو «برواز» يُعلّق على الحائط للزينة، بل كان يراها أمانة ومسؤولية.
كان يرفض أن يذبل هذا العلم بالانكفاء على شؤون الدنيا، فكان يحثّني دائمًا على أن أكون داعية مؤثّرة.
وحتى يرسّخ فيّ هذه الثقة، كان أحيانًا يسألني في المسائل الشرعية التي يحتاجها، مظهرًا تقديره لعلمي، ومؤكّدًا لي أنّ دوري في المجتمع يبدأ من استثمار ما تعلّمته في نفع الناس والدعوة إلى الله.
فاللهم يا حنّان يا منّان، اجزِ زوجي عنّي خير الجزاء، اللهم كما كان لي سندًا في الدنيا فكن له وليًّا ونصيرًا، وكما شجّعني على حفظ كتابك فاجعل القرآن شفيعًا له، ونورًا في قبره، ورفعةً له في درجات الجنان.
اللهم ارحمه برحمتك الواسعة، واجمعني به في مستقرّ رحمتك مع النبيّين والصدّيقين والصالحين، وحَسُنَ أولئك رفيقًا.
يتبع.............
بقلمي/ بيسان مرعي

تعليقات
إرسال تعليق