♕ تعلّمتُ من زوجي & الفصل الرابع ♕ بقلم الكاتبة : بيسان مرعي
كتاب 《 تعلّمتُ من زوجي》
الفصل الرابع
تعلَّمتُ من زوجي معنى قوله تعالى:
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا، وَجَعَلَ لَكُم مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً، وَرَزَقَكُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾
تعلَّمتُ من زوجي —رحمه الله وأسكنه جنّات النعيم— أنَّ هذه الآية ليست مجرّد إعلان عن نعمة الزواج، بل هي وعدٌ بالسكينة الممتدّة، وبالأثر الذي يبقى بعد الرحيل، وبالطيّبات التي لا تُقاس بالأشياء، بل بالوجوه والقلوب والمواقف.
تعلَّمتُ من زوجي —رحمه الله— أنَّ هذه الآية ليست نصًّا يُقرأ، بل حياة تُعاش، ومعنى يتجلّى، وسرًّا من أسرار الرّحمة الإلهية التي تنسكب على القلب، فتجعله عامرًا حتى في ساعات الوحدة والفقد.
تعلَّمتُ من زوجي أنَّ الزواج حين يكون من «أنفسكم» حقًّا، يُصبح امتزاجًا بين روحين وقلبين معًا، في الرضا والمودّة والصبر، يُصبح روحًا تلتقي بروحها، وصوتًا يفهم صداه، وقلبًا يعرف موضع نبضه في قلبٍ آخر، ليرى الإنسان قطعةً من نفسه يُودعها الله في جسدٍ آخر.
لقد كان زوجي جزءًا من نفسي، بل هو نفسي ذاتها، لا يُشبه الآخرين، فهو ذلك الإنسان المتميّز، النادر أمثاله، العطوف، صاحب القلب الكبير والروح الطيّبة.
كان امتدادًا لروحي، ومرآةً لطباعي، وطمأنينةً تُعيدني إلى نفسي كلّما تاهت أو تعبتْ أو ضاقت.
تعلَّمتُ منه أنَّ الزوج ليس مجرّد شخص يشاركك الأيام والسنين، بل هو من نفسك، من عمقك، من قلبك، ومن روحك، فهو الضِّلع الذي لا تستقيم روحك دونه.
ومنه تعلَّمتُ أنَّ الله حين جعل لنا أزواجًا من أنفسنا، لم يجعلهم ليكونوا عبئًا أو عابرين، بل ليكونوا السند حين نميل، والملجأ إن عصفت رياح الأيام العاتية، والنور حين تتكاثف الظلال ويشتدّ الظلام، واليد التي تُوقفنا وترفعنا، والكلمة التي تُعيد ترتيب العالم حين يختلّ.
ومن زوجي تعلَّمتُ معنى الامتداد… معنى البنين والحفدة، ليس بالضرورة في العدد، بل في الرسالة والأثر، في البقاء على الوعد والعهد، وفي إدراك معنى الولاء والوفاء.
وتعلَّمتُ منه أنَّ الامتداد لا يقتصر على الأجساد، بل يشمل الامتدادات الخفيّة التي تصنعها الكلمات الطيّبة، والمواقف الصادقة، والحنان الذي يترك أثرًا لا يذبل. فزوجي ترك في قلبي أبناءً من المعاني: أبناءً من الثبات، ومن الرحمة، ومن القدرة على الوقوف بعد الانكسار،
وترك أحفادًا من الصبر، ينتشرون في تفاصيل أيامي، يواسي بعضهم بعضًا حين يشتدّ عليَّ الحنين والاشتياق في أزقّة الفقد.
فكلّ خيرٍ علَّمني إيّاه، وغرسه في قلبي، وكلّ لحظة دعمٍ وقف فيها إلى جواري، أصبحت نسلًا معنويًّا يمتدّ من حياته إلى حياتي، ومن قلبه إلى قلبي، ومن قصّته إلى كتابي هذا.
فزوجي هو البذرة التي غرسها الله تعالى في طريقي، ليعلّمني كيف تحيا المرأة حين تجد رجلًا من طينة الطيّبين الصالحين الطاهرين.
وأيقنتُ إلى جانبه أنَّ «الطيّبات» لا تُقاس بما نملك، ولا بما نأكل، ولا بما يُحصى، بل بما نحسّ ونشعر، فهي تُحصى بالرّوح.
كانت «الطيّبات» معه عبارةً عن نظرة صادقة تُشبه الدعاء، وكلمة يُسندني بها، وضحكة تُزهر الروح لا ولن تتكرّر، ودعاء يسمو من قلبه إليَّ، وسترٍ يُظلّني بحنانه.
كانت أجمل وأعظم «الطيّبات» وجوده وهو حيّ، وأصبحت «الطيّبات» ذكراه بعد أن رحل، تلك التي تحرسني من الانهيار… وما زالت.
لقد كان زوجي واحدًا من تلك «الطيّبات» التي رزقني الله إيّاها، وكان أطيبها وأعلاها قدرًا، بل كان هو «الطيّبات» بذاته.
كان آيةً تمشي، ورحمةً تتنفّس، وعطاءً يُشبه غيثًا يهبط على الرّوح، فيُزهر بها ربيع القلب.
رأيتُ فيه حديث رسول الله ﷺ:
«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
كان يُردّده دائمًا، ولكن بأفعاله قبل أقواله، لأنَّه كان يعيشه قبل أن ينطق به.
كنتُ أرى أثر الحديث في رفقه، في طيب معاشرته، في تلك المساحة الدافئة التي كان يجعلها بيني وبينه، لتكون وطنًا أستريح فيه من تعب الدنيا.
تعلَّمتُ منه أنَّ الخير للأهل لا يكون بالشّعارات، بل بالفعل الهادئ الذي يُشبه النور؛ لا يعلو صوته، لكنّه يملأ المكان.
كان خيرًا لي ولبيتنا بصدقٍ لا يتكلّف، فيُقدّم الخير لأهله ليس لأنّه واجب فحسب، بل لأنّه يرى في بيته رسالته الأولى، ويرى في زوجته نصف روحه الذي لا يكتمل بدونه.
ما كان هذا الحديث جملةً تُحفظ بالنسبة له، بل منهج حياة رأيته متجسّدًا فيه، في حضوره، في لطفه، وفي الوفاء الذي غرسه في أيّامي حتى بعد رحيله.
تعلَّمتُ منه أنَّ الخير يبدأ من داخل البيت، وأنَّ من يصلح لأهله أوّلًا هو الأكثر قدرةً على أن يكون خيرًا للنّاس جميعًا.
هكذا كان، وهكذا بقي حيًّا في قلبي: خيرَ أهله.
كان عطيّةً من عطايا الله تعالى، ورزقًا من الكريم المنّان يفوق الوصف: زوجًا من نفسي، ورحمةً تُكملني، وسكنًا لا تعرفه الكلمات.
علَّمني أنَّ الطيّب لا يزول وإن غاب، وأنَّ أثره يبقى كعبقٍ لا يبهت، وكذكرى لا تموت، وكجزءٍ لا ينفصل عن الرّوح مهما امتدّ الغياب.
معه فهمتُ أنَّ الله إذا أعطى أدهش، فيُعطينا على قدر محبّته لنا، لا على قدر طلباتنا، وأدركتُ أنَّ بعض الهدايا لا يعرف المرء قيمتها إلّا حين يجد الفراغ الذي يُخلّفه غيابها.
رحل زوجي وبقي معي معنى هذه الآية العظيمة…
بقي أثرها في قلبي، وبقيت «الطيّبات» التي زرعها في روحي، وبقيتُ أشهد أنَّه من نعم الله عليَّ أنَّه جمعني به، ولو لوقتٍ قصيرٍ في الدنيا، ولعلّها تكون صحبةً أطول في الآخرة، حيث لا وداع ولا فراق.
يتبع.......
بقلمي/ بيسان مرعي

تعليقات
إرسال تعليق