♕ فاتورة الإهمال ♕ بقلم الكاتب : ماهر اللطيف
فاتورة الإهمال
بقلم: ماهر اللطيف 🇹🇳
دخلتُ السوق الأسبوعي صباح ذلك اليوم مرفوقًا بابني الصغير بلال وزوجتي بلسم، لاقتناء مستلزمات البيت كعادتنا كل أسبوع. كان المكان عامرًا بالزوار، يعج بالحركة والصياح والمساومات وتداخل الأصوات.
تقدّمنا بين البضائع المعروضة هنا وهناك، نسأل عن ثمن بعضها ومصدر بعضها الآخر، نقتني هذا ونتجاوز ذاك، نتسابق مع الحرفاء للفوز بالقليل من منتوج شحيح، ونبتعد عمّا لا يستهوينا.
كنا نتبادل التحيات والابتسامات مع بعض المعارف، نتحادث، نجامل، نعاتب، ونتبادل الأخبار والمعلومات مع التجار ومع آخرين لا معرفة سابقة لنا بهم ـ وهم قلّة ـ، بينما كنت أعلّم بلال بعض دروس الحياة المستقاة من المواقف العابرة التي تعترضنا في جولتنا.
فجأة، التفتت بلسم يمنة ويسرة، إلى الأمام والخلف، في كل الاتجاهات. تسمرت في مكانها، اصفرّ وجهها وتبلل جسدها عرقًا، تلعثم لسانها وهاج شعرها الأسود الحريري حتى صفعني على وجهي، ثم صاحت بصوت عالٍ جذب انتباه من حولنا:
– بلال! بلال! اختفى ابني!
– (محاولًا تهدئتها، وعيناي تمسحان المكان) اهدئي حبيبتي، قد يكون تأخر عنا أو ضل الطريق.
– (باكية، مستنجدة بالحاضرين) كنت أمسكه من يده، لم أتركه لحظة، فقط أفلتُّها لأجلب منديلاً… فذاب كالملح!
– (مربتًا على كتفها وقلبـي يخفق بعنف) لا تخافي، سنجده بإذن الله.
بدأنا نوزع أوصاف بلال وملابسه على كل من تطوّع للمساعدة. ثم تفرّقنا في أرجاء السوق الواسع، نقلب الوجوه، نعدّ الصغار، نلج المحلات، نسأل المارة، نستعين بالأمن وأعوان الحراسة… لكن دون جدوى. كان كأنه ملح ذاب فعلًا في الماء.
مرّت الساعات ثقيلة. بحثنا فرادى وجماعات، ولم نترك مكانًا إلا ودخلناه. حلّ الظلام، وبلال، لأول مرة منذ ولادته، بعيد عنّا.
هو ابننا الوحيد. رزقنا الله به بعد أكثر من عقد من الزواج، وبعد زيارات لا تُحصى للأطباء والمختصين، وفحوصات وتحاليل، ودعاء لا ينقطع في صلاة وقيام، ووصفات أعشاب وأملٍ يتأرجح بين الرجاء واليأس.
وحين استسلمنا أخيرًا، جاء الفرج. حملت بلسم، فكانت أجمل فترات حياتنا، إلى أن أتى اليوم الموعود، وأنار بلال بيتنا وأعاد إليه الحياة.
أحطناه بالرعاية من كل جانب، دللناه وحميناه حتى من نفسه… وها نحن نفقده لساعات لا نعلم عنه شيئًا:
هل يشعر بالدفء؟
هل أكل؟
هل نام؟
هل أرهقه المشي؟
واصلنا البحث ليلًا. زرنا المستشفيات ومخافر الشرطة، الشوارع القريبة من السوق ومنزلنا، تفقدنا التائهين والمشردين. حتى إننا عاينا جثة طفل عثرت عليها دورية أمنية… لكن دون جديد.
انهارت بلسم. فقدت أعصابها، امتنعت عن الطعام والكلام، وغرقت عيناها في دموع لا تنقطع. أما أنا، فقد كنت منهارًا مثلها، عاجزًا، ينهشني الندم والخوف.
بقينا على تلك الحال إلى أن رن هاتف بلسم مع أذان الفجر. هذه المرة كان الاتصال مختلفًا. مركز أمن الحي يطلب حضورنا فورًا.
اندفعنا نكاد نختنق بأنفاسنا، ودخلنا مكتب رئيس المركز دون استئذان. هناك، تجمدنا في مكاننا.
كانت عجوز شمطاء، رثة الثياب، مقوسة الظهر، مكبلة اليدين، تقف في ركن المكتب، ويتطاير الشر من عينيها، تردد دون توقف:
«خطفته… ذبحته… قطعته أربًا أربًا كسابقيه…»
سقطت بلسم مغشيًا عليها، نقلت إلى المستشفى، ومنها إلى جناحٍ مغلق لم تعد تخرج منه إلا نادرًا. أما أنا، فقد اندفعت نحو العجوز دون وعي، أطبق على عنقها بكل ما تبقى فيّ من غضب ويأس، قبل أن ينتزعني الأعوان من فوقها.
في تلك الليلة، لم أنم.
كنت أرى عينيها في الظلام، جامدتين، خاليتين من أي دمعة.
وأسمع صوتها يتردد في رأسي، لا يصرخ ولا يعتذر، فقط يكرر جملة واحدة، كأنها حقيقة كونية لا تقبل الجدل.
قالوا لاحقًا إنها مريضة.
قالوا إنها لم تنجب، وإن الوحدة أكلت روحها، وإن الكراهية نبتت فيها كما ينبت العشب في أرض مهجورة.
لكنهم لم يقولوا لي شيئًا واحدًا:
لم يخبرني أحد أين انتهى بلال.
ومنذ ذلك اليوم، كلما رأيت طفلًا يضحك في السوق،
أشيح بوجهي.
لا خوفًا عليه…
بل خوفًا مما يمكن أن تفعله العيون التي جفّت دموعها،
وما زالت تنتقم.

تعليقات
إرسال تعليق